فنون

تصدرت صفوف النجوم الأولى.. فصول من كتاب سينما مديحة كامل

بعد أن أثبتت مديحة كامل وجودها وجودًا كاملا ومتميزًا بين صفوف النجوم الأولى من خلال أدائها المتميز الذي بهر الجميع بما فيهم النقاد في فيلم «الصعود إلى الهاوية»، صارت تحاول ضبط مؤشر ترمومتر النجومية، تحصد عدة أدوار متميزة، وتسأل نفسها كيف أستمر في النجاح بل الصعود إلى قمة النجومية؟ وهذا ما أكدته فى بعض حوارتها الصحفية قائلة: مرحلة ما بعد النضج والاختيار هى التى يجب أن يطلق عليها مرحلة الأكثر نضجًا والأعمق فى الاختيار، وهى أصعب مرحلة قد تمر بالفنان لأنه من خلالها إما أن يستمر فى الفن وفى المكان الذى حصل عليه أو يتقهقر إلى الخلف فينزوى شيئًا فشيئًا. وذلك يتحقق من خلال الدور الذي أختاره، فأنا أعتبر الشخصية التى أمثلها مثل الفستان الذى ألبسه تماًمًا، فلا بد أن يكون مناسبًا من حيث طوله وعرضه ومجسم على جسدى، فلا بد أن أحتويه بكل عناية، وأشعر أنه مناسب من كافة أبعاده لشخصيتى الفنية. والدور هو الشرارة الأولى التى تشعل بداخلى كم المشاعر والأحاسيس، ومن خلاله أبنى موقفى من العمل سواء بالرفض أو القبول ثم يأتى بعد ذلك المخرج الذى أتعامل معه، والذى يساعدنى فى الدخول إلى الشخصية التى أجسدها. 

فى حياة كل فنان عده مراحل: مرحلة البدء والانتشار ثم مرحلة النضج، وأخيرًا مرحلة تأكيد الذات، ولا يمكن القول إن الفنان فى كل هذه المراحل قدم ما يرضيه خصوصًا فى المرحلة الأولى لكنه مطالب بأن يكون على درجة من الوعى والتعقل فى كل أدواره التى تسند إليه، أنا أعتقد أن الوجه الجميل عبء جميل، وأنا أتساءل لو لم تكن إيزابيل أدجانى جميلة هل كانت تستطيع الوقوف أمام الكاميرا؟ لكن الوجه الجميل ليس هو الفنانة، إنه جزء من حضور أكبر، من موهبة أكبر، وإذا أردت رأيى الشخصي أقول لك إن جمالى يريحينى ويحررنى من الهواجس، يجعلنى على مسافة قريبة جدًّا من قلوب الناس، أقرب مما تتصور. أنا أشعر بأننى ولدت بين الأيدى الخشنة بين الوجوه التى تبدو وكأنها منجم للحزن. فأنت تعرف بالطبع أية مشاكل نعيشها، وهى مشاكل بلا حل، ولهذا أتأمل أحيانًا القاهرة عام 2000 كيف سيعيش الناس؟ من أين يدخل الهواء أجل ستكون هناك كل مشاكل الهواء حتى قبل حلول القرن المقبل، والحقيقة أنه يجب أن نقوم بتهريب أولادنا إلى مكان يتوافر فيه الهواء، ولكن ماذا يفعل الفقراء؟ يبدو لى وكأن الزمن يقف الآن ضد الفقراء، لا أستطيع أن أجدد فأنا ابنة الدور، إنه يستغرقنى كليًّا، وأنا لا أستطيع أن أكون مزدوجة أمام الكاميرا.

تشرح لنا مديحة كيف تفكر فى النجاح فإن الإنسان يولد ليموت، ولا يعرف لماذا ولا متى. من رحمة الله أننا لا نعرف متى نرحل لكننا نعرف فى أعماقنا أننا لا بد أن نترك الحياة. منذ أن ينمو الإنسان ليدخل فى مرحلة الإحساس بالأشياء واستيعابها حين يموت له إنسان، فإنه حينئذ يهتز ويستقر فى أعماقه أنه ميت لا مفر من ذلك، والذى يموت ينتهى.

الفنان لا يريد أن  ينتهى يريد أن يستقر فى اللاوعى، طموح بأنه يجب أن يستمر فلا يموت أي يصل إلى  الخلود، وهذه اللانهائية، فخوفه من الموت هو الذى يدفعه إلى أن يقدم أحسن ما عنده. مغرور هذا الفنان لأنه يصر على أن تعيش ذكراه من بعده مئات أو آلاف السنين. إن الإنسان يدور فى حلقة هى الخوف من الموت، والفنان قبل أن يمضى يريد أن يترك الكثير من فنه.

وكانت الصحف تتابع أفلامها لمعرفة هل كانت فرصة الصعود إلى الهاوية مجرد حظ أم أن مديحة كامل نجمة كبيرة حقًّا، ونرى ذلك في حديث الصحف عن فيلم «لكن شيئًا ما يبقى» حيث يوصف بأنه مفاجأة أخرى، فكثيرون ممن ذهبوا لمشاهدة الفيلم كانوا يعتقدون أنهم سيتفرجون على سقوطها، وكانت المفاجأة الكبرى نجاح باهر، فلقد لعبت مديحة كامل بأحاسيس الناس.

واستدرت شفقتهم عندما أحبت بكل مشاعرها حبًّا يائسًا، واستدرت لعنتهم فى بداية طريقها كامرأة حقيرة وتافهة، وأخيرًا استدرت دموعهم حتى أن أحد المشاهدين ذكر أنها أستاذة بكل ما فى الكلمة من معنى، إنها هزتنى وأعادت فى كل من رآها الثقة في أن عصر الخوف على السينما انتهى.

وكذلك فيلم اللعنة الذى أخرجه المخرج حسين الوكيل، فقد شغل حديث الصحف، فقد قامت مديحة بدور زوجة الصحفى «نور الشريف» الذى كان يحاول أن يكشف غموض عدة جرائم ارتكبت فى مستشفى للأمراض العقلية فيتفق مع رئيسه فى العمل على دخول المستشفى كمريض، لكن المفاجأة تقع عندما يصاب هو الآخر بالجنون فى نهاية الفيلم. واكتشفت جنون زوجها بعد أن ساعدته على المغامرة وحصل على جائزة عن أفضل تحقيق صحفي، فكانت هي محور الفيلم بطريق غير مباشر، فالمغامرة ليست حرة دائمًا، لأنها عندما قبلت أن يقدم زوجها على مثل هذه المغامرة كانت تعتقد أن الحرية  تعنى أن نضع دائمًا شيئًا جديدًا، وأن نتدخل فى شؤون الآخرين. 

وهكذا كانت هناك ثلاثة أفلام عرضت لها في القاهرة في أوقات متقاربة بالقاهرة، وبالرغم من اعتقاد البعض أن ذلك قد يضر بالممثل حتى لو كان ضررًا بسيطًا إلا أن مديخة كامل قد أحسنت الاختيار لأن الكم هنا قد تواءم مع الكيف، وهذا جزء من نجاح عملها باهر.

وتتميز أدوارها بكونها تجمع بين البساطة والدهشة والعمق واليأس والغضب والبهجة، فمديحة تنتمى إلى  مدرسة البساطة فى الأداء مع وعى تام بطبيعة الشخصية وكيفية التعبير عنها فى إطار البساطة، وأن لا يكون هناك شعور بالتكلف. ولكل فنان لون مميز، وكل فنان له طريقته، وهى عادة لا تتبع أسلوبًا معينًا فى الأداء، فهي تحاول أن تستوعب الشخصية والإحساس  بالموقف والتلقائية فى التعبير وفقًا لتوجيه المخرج ورؤيته للمشهد.

محمد سرساوى

تنقسم مراحل الحياة الفنية للنجمة المتألقة «مديحة كامل» إلى أربع محطات رئيسية: المحطة الأولى استمرت ثلاث سنوات بدأت أفلامها الأولى: فتاة شاذة، و 30يوم فى السجن،  ثم تزوجت وأنجبت ابنتها ميرهان، وغابت عن الحياة الفنية.

والمحطة الثانية، وهى العودة فى أدوار البطولة الثانية، وكان ذلك في وقت ظهور ميرفت أمين،  وشمس البارودى، ونجلاء فتحى، واحتلالهن لأدوار البطولة الأولى، وتمثل هذه المرحلة مرحلة الممثل المساعد. 

والمحطة الثالثة، وهى محطة البطولات  المطلقة، مثل: الأفعى،  والصعود إلى الهاوية، وأبو البنات، وسأعود بلا دموع، وأشياء ضد القانون، وامرأة قتلها الحب. 

أما المحطة الرابعة والأخيرة، وهى أكثر مراحل حياتها الفنية نضجًا وتحكمًا واستيعابًا  لأدوارها الفنية التعبيرية التى استخدمتها فى المراحل السابقة بتلقائية فبدت فى هذه المرحلة أنها تتلمس مفاتيحها الفنية الحقيقية، مثل: «الرغبة»، و«عيون لا تنام»، و«بريق عينيك»، و«شوارع من نار»، و«ملف فى الآداب»، و«مشوار عمر».

وأفلام مديحة كامل في هذه المرحلة خاصة لم تشغل الصحف فقط، بل إنها كان محورًا أساسيًّا في أحاديث ودراسات كبار النقاد السينمائيين، ما بين دراسات عن أفلام بعينها أو دراسات لطبيعة أدائها لدور المرأة بمستوياها وشرائحها وتعقيداتها المختلفة.

وقد كانت فترة الثمانينيات صعبة على السينما المصرية حيث شهدت ظواهر منها، أفلام المقاولات، والمخدرات، والأفلام التى تذهب مباشرة إلى نوادى الفيديو أو تشحن إلى دول الخليج، وكانت السينما تمر بظرف صناعة غير جيد. ونجت مديحة بالأفلام الواقعية.

واستطاعت مديحة أن تقتنص الأدوار التي أتيحت لها وتتقنها ببراعة مع مخرجين كبار، مثل: محمد خان، وكمال الشيخ، وعاطف الطيب، ورأفت الميهى، وهنا يكون دور المخرج الذى يستطيع إدارة نجمته، ويخرج منها أفضل ما عندها، ويمكن أن يكون من  حسن حظها، ومن  أجمل أدوراها الصعود إلى الهاوية، والرغبة،  ومسلسل البشاير، والعرافة، وملف فى الآداب.

وتعتبر مديحة هى أكثر من قدمت أفلام للكاتب والسيناريست وحيد حامد فى فترة الثمانينيات حيث شاركت فى فيلم: ملف فى الآداب إخراج عاطف الطيب، وفيلم: انتخبوا دكتور سليمان إخراج محمد عبد العزيز، وفيلم البشاير: من إخراج سمير سيف.

ومديحة كما يرى جميع من شاهدها أو كتب عنها وجه تحبه من أول نظرة، وأضيف إلى ذلك أنها فتاة كل شخص، تجمع في وجهها بين شخصيات مختلفة، بنت البلد، الاستقراطية، الفتاة العاملة التي تنتمي للطبقة الوسطى..إلخ، جمالها غير مرتبط بمستوى ما أو شريحة اجتماعية بل يرى فيها أي شخص حلمه الشخصي.

كأن مديحة شخصية أدبية، شخصية هربت من رواية أو نص أدبى، وتجسدت فى داخل الكادرات السينمائية، مثل فيلم «:أشياء ضد القانون» المقتبس من رواية «البعث» لتولستوى، وفيلم «سأعود بلا دموع» المقتبس من مسرحية «زيارة السيدة العجوز» لفريدريش دورينمات، وفيلم الرغبة من رواية «جاتبسى العظيم» لف. سكوت فيتزجيرالد، وفيلم «عيون لا تنام» المقتبس من مسرحية «رغبة تحت شجرة الدردار» ليوجين أونيل، وفيلم «القط أصله  أسد» عن مجموعة « النساء لهن أسنان بيضاء» لإحسان عبد القدوس، وفيلم «أصدقاء الشيطان» عن رواية «الحرافيش» لنجيب محفوظ  وغيرها.