اخبار فلسطين

العاملات في القطاع الصحي خلال العدوان الأخير.. ألم مضاعف وخوف وويلات مطبوعة في الذاكرة 

غزة خاص قُدس الإخبارية: “كل شرائح المجتمع نالت نصيبها من الخوف والرعب والألم خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، ولكن بعض الشرائح نالت نصيباً مضاعفاً، ومن بينهم العاملات في القطاع الصحي اللاتي كنّ على رأس عملهن خلال الحرب”، بهذه الكلمات تصف الطبيبة عبير الغرباوي ما عاشته خلال العدوان الأخير في حديثها لـ“شبكة قدس”.

وتضيف الطبيبة عبير التي تعمل في قسم الجراحة بمجمع دار الشفاء الطبي، الأكبر في قطاع غزة: “العدوان الأخير على غزة له ذكريات مؤلمة، صور الشهداء وطبيعة الجروح والحروق وصراخ المصابين وذويهم لا يزال عالقاً في ذهني”، علاوة عن ساعات العمل الطويلة في أوقات عصيبة مخيفة.

وتتابع: “لخطورة الأوضاع وكثرة الحالات، تنقلت بين قسم الاستقبال والطوارئ وقسم الجراحة، كان نظام عملنا كأطباء وطبيبات جراحة هو 72 ساعة عمل مقابل 48 ساعة راحة، ورغم أنني حامل وكنت بحاجة للراحة، إلا أنني آثرت أن أكون على رأس عملي كالتزام أخلاقي ووطني ومهني”.

وتوضح الطبيبة عبير أن هدفها كان تقليل فاتورة الدم التي يدفعها الشعب الفلسطيني، ففي كل روح تنقذها هي وزميلاتها وزملاؤها يشعرون بنشوة الانتصار، وكل روح تزهق أمام أعينهم يشعرون بالانكسار، لكن لم يكن يسمح لهم بالاستسلام.

وتقول: “الشيء الوحيد الذي لا أتحمل رؤيته كان الشهداء الأطفال، والجرحى منهم، كان قلبي يصرخ وينزف وأنا أراهم يبكون وينزفون، أصعب ما تمر به الطبيبة أن ترى أطفالاً جثثاً أو يتألمون ولا يمكنها فعل شيء، أرجو ألا أشاهد مثل هذا الموقف مرة أخرى في حياتي”.

توضح الطبيبة عبير أن زوجها طبيب أيضاً يعمل معها في ذات المستشفى، ولكن قلبها كان دوماً مشغولا على باقي أفراد أسرتها، والذين بدورهم كانوا دوما قلقين عليها، وكانت تتحين الفرص للاتصال بهم والاطمئنان عليهم.

أصعب اللحظات

وتستذكر الطبيبة عبير أصعب ساعات مرت عليها خلال العدوان، وتقول وعيناها تلمع وكأنها تخفي دموعها: “أصعب ليلة كانت مجزرة شارع الوحدة التي راحت ضحيتها أسر كاملة ومن بينها الطبيب أيمن أبو العوف وأسرته، كنا أنا وزميلاتي وزملائي على أعصابنا، حين سمعنا خبر استهداف منزل أستاذنا أيمن أبو العوف، كان من أشد الأخبار صعوبة علينا، أستاذنا الذي تتلمذنا على يديه في الجامعة وفي المستشفى، صاحب الابتسامة الهادئة الجميلة، فجأة يأتي للمستشفى شهيداً، كانت فاجعة لنا جميعا، فهو خسارة لنا وخسارة للشعب الفلسطيني كله”.

وتقول وهي تحبس دمعتها: “مجزرة شارع الوحدة كانت قاسية، أعداد كبيرة من الشهداء والإصابات، حالة الخوف والهلع جمدت الأطباء، واستذكر حين وصل أستاذي الطبيب أيمن للمستشفى جثة هامدة، تسمرت أنا وزميلاتي وزملائي في أماكننا ولم نستطع التعامل معها من هول الصدمة”.

وبعد أن أخذت نفساً عميقها، ابتسمت الطبيبة عبير وقالت: “الله لا يعيدها من أيام، فنحن حتى اليوم طبيبات وممرضات وعاملات في القطاع الصحي نعاني من أثر العدوان نفسياً، ولم تقدم برامج تفريغ نفسي لنا، رغم حاجتنا الماسة لذلك”.

تطبيب جسدي ونفسي

في قسم الاستقبال والطوارئ، الحكيمة أمل بدوي تقول لـ“شبكة قدس”: داومنا خلال العدوان بنظام 24 ساعة عمل مقابل 24 ساعة راحة، كانت مليئة بالرعب والخوف خاصة الساعات الأولى من العدوان، لكننا كنا أمام تحد إما أن يهزمنا الاحتلال أو نهزمه بثباتنا في أماكن عملنا وتطبيب الجرحى.

وتضيف الحكيمة بدوي: “حينما نستشعر عظم ما نقدمه لأبناء شعبنا ترتفع معنوياتنا، فرغم ساعات العمل الطويلة والمخيفة خاصة مع ساعات الليل، إلا أنني وزميلاتي في التمريض كنا نشغل أنفسنا بتطبيب الجرحى وتقديم العلاج لهم”، مشيرة إلى أنها كانت تحاول مع زميلاتها رفع معنويات المصابين والجرحى وذوي الشهداء.

وفي إشارة لاستهداف الطواقم الطبية، تقول بدوي: “كنا نسمع عن استهداف سيارات الإسعاف أو إصابة أجزاء من مراكز صحية هنا أو هناك، ولكن حينما استشهد الطبيب أيمن أبو العوف وتم نقله لمجمع الشفاء الطبي وكنت حينها على رأس عملي، شعرت بالخوف الشديد وأننا كعاملين في القطاع الصحي في عين الخطر”.

تبين الحكيمة بدوي أن هذا العدوان هو الأول لها وهي على رأس عملها، اكتسبت من خلال الكثير من الخبرات، ولكنها تأمل ألا يتكرر فهي حتى اليوم تعاني من آثاره وتداعياته، وبحاجة ماسة لتفريغ نفسي.

“استودع الله أولادي”

أخصائية التحاليل الطبية في مجمع الشفاء الطبي عايدة القيق، تقول لـ“شبكة قدس” إنها كانت تعمل بنظام 12 ساعة عمل مقابل 48 ساعة راحة، وهي عاصرت كافة الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة منذ عام 2008 وحتى اليوم.

تضيف: “كنت استودع الله أولادي وأهلي عندي خروجي من البيت، فلم أكن قادرة على تجاهل واجبي وتأدية رسالتي والبقاء في البيت، فكنت كباقي زميلاتي حريصة على الدوام رغم الخطر، وكنت أضع أولادي التوأم البالغين 7 سنوات عند جارتي، وأنطلق إلى عملي”.

تتحدث عايدة عن ضغط العمل، فكمية لا نهائية من التحاليل المختلفة التي يتم طلبها من المختبر، بسبب كثرة الإصابات والجرحى، ولكن مع الخبرة المتراكمة من الحروب السابقة “كنا في المختبر أكبر قدرة على التعامل مع نوعية وحجم الحالات”.

وتطالب عايدة بدعم نفسي وبرنامج لدعم وتعزيز صمود العاملات في القطاع الصحي، لأن ما شاهدته في الحرب لا يزال عالقاً في ذهنها.

“ولدت من جديد”

زميلتها سعاد الكحلوت والتي عايشت الحروب الأربعة التي تعرض لها قطاع غزة، ولكن هذه المرة ركز الاحتلال على المدنيين، وكان ذلك واضحاً في أعداد الشهداء والجرحى من الأطفال والنساء وكبار السن.

وتقول أخصائية التحاليل الطبية سعاد: “رغم حاجة أطفالي لوجودي إلى جانبهم، كنت أخرج للعمل من أجل القيام بواجبي المهني والأخلاقي والوطني”، وتوضح أنها كانت دائما تتواصل مع ابنها وابنتها بعد أن تركتهما وحدهما في البيت.

وتضيف: “عند عودتي للبيت كنت أشعر أنني ولدت من جديد، وكذلك أولادي”، مشيرة إلى أن أصعب اللحظات عليها حينما كانت تودع أولادها وتغادر هي وزوجها للعمل.

وتتابع الكحلوت: “تطور عملنا من خلال الخبرة التي اكتسبناها خلال الحروب السابقة”، وتدعو إلى دعم نفسي لها ولأولادها.

شقائق الرجال

رئيس أقسام الاستقبال والطوارئ في مجمع دار الشفاء الطبي د. هاني سمير الهيثم، قال لـ“شبكة قدس”: “لدينا خطة طوارئ وكوارث معدة مسبقاً، ومنذ بداية العدوان عملنا في قسم الاستقبال والطوارئ على أربع جبهات لفرز الحالات “.

ويضيف الهيثم: “حتى لو وردنا عدد كبير من الإصابات دفعة واحدة، يتم فرزهم وتقييم الحالات في خلال دقائق قليلة، وهذا جاء من خلال تراكم خبرات”.

وأوضح رئيس أقسام الاستقبال والطوارئ في مجمع دار الشفاء الطبي، أن كل العاملات في الأقسام من طبيبات وممرضات وأخصائيات وغيرها من التخصصات كن على رأس عملهن خلال العدوان، كالتزام مهني وأخلاقي ووطني.

وبين أنه جرى حفظ خصوصية الطبيبات في القسم من خلال عمل جدول خاص بهن فدوام الطبيبات كان 12 ساعة مقابلة 48 ساعة راحة، بينما الأطباء كان نظام عملهم 24 ساعة عمل مقابل 24 ساعة راحة، وجرى تقديم كل الدعم للطبيبات وفق ما هو متاح.

يشار، إلى أن عدد العاملات في القطاع الصحي ووزارة الصحة بلغ 4202  وفق إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة، وذلك في مختلف التخصصات.