اخبار فلسطين

غزيّون يبحثون عمن يخلص شرايينهم من الخوف.. ازدهار مهنة “قطع الخوفة” بعد الحرب

قطاع غزة خاص قُدس الإخبارية: لم يتوقف أهالي غزة منذ انتهاء الحرب الأخيرة، عن البحث عمن يخلصهم من آثار الهلع والخوف المتيبسين في شرايينهم، قاصدين منزل الحاج أبو رمضان الرواغ أحد المعروفين بعلاج “قطع الخوفة”، لاصطحابه إلى منازلهم، شرط أن يكون بعد صلاة المغرب فهو الوقت المناسب للعلاج كما يشاع.

يأخذ الحاج معه زجاجة زيت، وهو المكون الأساسي للعلاج أو قد يوفرها له المصاب، يغرق يديه بالزيت ويبدأ بتدليك الجسد عبر غرس أصابع السبابة والإبهام بين مفاصل المصاب، من الرجلين حتى أسفل العمود الفقري، ثم ينتقل لمفاصل اليدين ثم الأكتاف، ويكرر العملية.

يشرح أبو رمضان عن طبيعة عمله قائلا: “يأتي إليّ المصاب وأجد عليه أعراض الخوفة فيكون شاحب اللون، وتبدو عليه علامات الإرهاق والشعور بألم شديد في مفاصل جسده، وكذلك بتعب متواصل، وأحيانا البعض يشعر بنوبات غثيان، انتفاخ في الغدد الليمفاوية، ناهيك عن وجود كتل صلبة بين شرايينهم”.

وبحسب الحاج أبو رمضان، من” لم يمت من القصف كاد أن يموت من الخوف”، حيث شهدت مهنة قطع الخوفة بغزة إقبالًا بعد الحرب ويصل ثمن العلاج بها من 30 إلى 50 شاقلا للشخص الواحد.

ووفق الرواية الشعبية التي يقولها الحاج إن العلاج يجب أن يكون لمدة ثلاثة أيام متتالية بعد صلاة المغرب، حسب حالة المصاب، كذلك يضيف أن بعض المصابين قد لا يستطيعون التحرك بسبب الخوفة، وقد يؤدي الأمر للموت أحيانًا أو إحداث عقم خاصة لدى الرجال.

ويمتهن قطع الخوف منذ عامين حيث ورثها عن آبائه وأجداده القدامى، كما يرافقها بالعلاج الصيني والذي تعلمه من أحد زملائه بعد عودته من الصين.

يشير بأن هناك من يشكك بالعلاج الشعبي مقارنة بالعلاج الحديث والبعض يصفه بالخرافة، وفي نفس الوقت لا يمكن الاستغناء عنهما لكن من يحدد ذلك طبيعة المصاب، وسوء الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها أهالي غزة، حيث معظمهم لا يستطيع الذهاب لطبيب لدفع مبلغ من المال وشراء أدوية، لذلك يلجأون للطب الشعبي البسيط.

تعرف الخوفة بأنها ردة فعل نتيجة الشعور بخوف أو هلع أو صدمة، وتحصل في العروق مسببة انحباسا دمويا داخلها وانتفاخا في الغدد الليمفاوية، مما يؤدي إلى ضعف في ضخ الدم، ويعتمد العلاج بـ”قطع الخوفة” على التدليك الطبيعي القوي بالزيت ويستخدم زيت الزيتون في ذلك الأمر الذي يساعد على ارتخاء العضلات، لتعود إلى طبيعتها، وتدليك المناطق التي تتجمع فيها الغدد الليمفاوية بالجسد، خاصةً عند منطقة العنق، وبين الكتفين، والظهر، كما في العضلة الخلفية للساق، وفي منطقة ما بين الفخذين، وفي عضلة اليد الأمامية.

وعادة ما يسمى أهل القطاع ممن يمتهنون قطع الخوفة بالمبروكين أو المبروكات فأيضًا النساء تتقنّ هذه المهنة.

بين أزقة مخيم جباليا يعج منزل الستينية أم الديب حسن بالزائرات من النساء ممن يرغبن بقطع الخوفة لأنفسهن، أو لبناتهن وهناك حموات يأخذن زوجات أبنائهن حرصًا على أن تستمر قدرتهن على الإنجاب فهن يعتقدن أن الخوفة قد تمنع الحمل، وبعضهن جئن يحملن أطفالهن الصغار على أيديهن للعلاج.

ومنذ انتهاء الحرب بات منزل التسنية أم الديب حسن في مخيم جباليا، يستقبل السيدات للعلاج الشعبي كذلك تقديم وصفات للنساء ممن تأخرن بالإنجاب، ويعتبر مزارًا للسيدات لتخليصهن من الخوفة.

وتبين أم الديب أن معظم الزائرات من النساء يعانين من اضطرابات نفسية جراء القصف الإسرائيلي، ومنهن من أصبن بالخوف نتيجة سماع أصوات الصواريخ، فرغم انتهاء القذائف والصواريخ لم تنته آثارها بعد، وتبقى لفترة طويلة لدى السكان وليس من السهل التخلص منها.

تقول: “بعض الحالات قد تكون عليها أعراض الخوفة لكن ما تعانيه ليس لهذا السبب بشكل مباشر، أقوم بتدليكها لمدة ثلاثة أيام وعلى الأقل تشعر بالاسترخاء، ثم أوجهها للذهاب لطبيب مختص حسب حالتها، كذلك الأطفال  خاصة عندما يكون الطفل يعاني من نزلات البرد أو التهابات بالصدر أو تبول لا إرادي هنا يكون بحاجة لمختص وليس إلى طب شعبي أو قطع خوفة”.

أخصائي العلاج الطبيعي أحمد رزق يفسر سبب إقبال بعض أهالي قطاع غزة على الطب الشعبي البديل للتخلص من حالات الهلع والخوف والآثار النفسية التي خلفتها الحروب المتكررة، إلى رخص ثمنها، مؤكدًا على أن أغلب من يتوافد عليها هم الناس البسطاء، والمناطق الشعبية.

 وأوضح: يعتمد الناس على قطع الخوفة بالتدليك لكن هناك بالطبع أسسا وقواعد فالأمر ليس هيّنا، حتى في العلاج الطبيعي هنالك أسس لتدليك الجسد وفق الطب الحديث.

 وذكر: لا يمكن الاستغناء عن الطب الحديث والمعالجة النفسية تحت إشراف طبي، بالطب البديل، لأنه قد يكون له سلبيات وإيجابيات، طالما أن المختصين به يعتمدون على البركة وليس كدراسة علمية، محذرًا من أن يمتد الأمر عند بعض المعالجين إلى الشعوذة، لكنه لا ينكر أن البعض يشفى بالعلاج الشعبي لكن هذا يعود لأنه أقر الشفاء في ذاته على أيديهم. 

وأشار إلى أن البعض قد يذهب للعلاج البديل خاصة في حالة قطع الخوفة عند التهاب الغدد الليمفاوية كتأثير نفسي قد يتوهم أن لديه خوفا أو توترا، لكن الصحيح في العلاج أن التهاب الغدد الليمفاوية يعالج بالمضادات الحيوية.