اخبار اليمن

قراءة في بيان البنك المركزي اليمني بشأن معالجة التشوهات السعرية

()خاص:

قراءة/ وحيد الفودعي:

خلفية

منذ انقلابها على الدولة وسيطرتها على كافة مؤسساتها في أغسطس 2014م، لم تتوقف جماعة الحوثي في اتخاذ العديد من الإجراءات ووضع عراقيل ومطبات اقتصادية وخلق أزمات من شأنها إرباك المشهد السياسي أشبه ما يكون حرب اقتصادية تهدف من ورائها إلى تجويع وإفقار الشعب اليمني وبكافة الوسائل المتاحة لديها، أو استخدامها كورقة ضغط يتم استغلالها محلياً وإقليمياً ودولياً، فقد انتقلت بشكل تدريجي من نهب المال العام والسيطرة على كافة مؤسسات الدولة الايرادية إلى النهب المنظم لرؤوس الأموال الوطنية وتدمير القطاع الخاص وعلى وجه الخصوص منظومة البنوك التجارية والإسلامية والنظام المصرفي في اليمن، غير أن أخطر إجراء اتخذته جماعة الحوثي والذي بموجبه قسم الاقتصاد اليمني إلى نصفين هو قرارهم منع تداول الطبعة الحديثة من العملة الوطنية نهاية ديسمبر من العام 2019م، الأمر الذي خلق العديد من المشاكل الاقتصادية التي أثرت بشكل كبير على حياة المواطن.

وعملت على الإخلال بتوازن العرض والطلب على النقد في كافة مناطق الجمهورية، بحيث تسرب النقد من الطبعة الحديثة إلى مناطق الشرعية، مع شحة سيولة لدى مناطق الانقلاب، وتكريس الطلب على النقد الأجنبي في مناطق جغرافية معينة هي المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية مما أدى إلى ارتفاع القرف فيها، مع استقرار سعر الصرف في مناطق سيطرة الانقلاب لعدة عوامل منها شحة السيولة من العملة المحلية، وعدم وجود طلب حقيقي على النقد الأجنبي لأغراض الاستيراد هناك حيث يغطى بالكامل من مناطق الشرعية، وتوقف دفع الرواتب لأغلب القاطنين تحت سيطرة الانقلاب مع استمرار دفع المرتبات من قبل الحكومة الشرعية حتى لموظفين في مناطق الانقلابيين، كما أن الطلب على النقد الأجنبي في مناطق الشرعية لم يقتصر فقط على الاستيراد، بل أوجد قرار الحوثي طلب جديد على النقد الأجنبي لتغطية المنتجات والمحاصيل الزراعية والقات والتي تأتي من مناطق سيطرة جماعة الحوثي بحيث يتم تحويل المتحصلات منها إلى عملات صعبة (ريال سعودي أو دولار) ومن ثم الذهاب بها إلى مناطق الحوثي وبيعها من جديد ليتم شراء المنتجات والمحاصيل الزراعية والقات بعملة قديمة وهكذا بشكل دائري، وبشكل عام فإن الإجراءات الحوثية عمقت الانقسام النقدي في البلاد وأخلت بالتوازن الاقتصادي الخاص بالعرض والطلب على النقد سواء النقد المحلي أو النقد الأجنبي وأدت إلى تشوه سعري بالعملة الوطنية وكأننا في دولتين، كما رفعت كلفة الحوالات من مناطق الشرعية إلى مناطق الانقلاب إلى مبالغ قياسية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أهم العوامل التي سهلت على الانقلابيين تنفيذ قرارهم، وهو وجود نموذجين مختلفين من النقد المحلي، نموذج عريض أو حجم كبير (طبعة قديمة) حتى العام 2017م، ونموذج أصغر منه (طبعة حديثة) بدأ التعامل بها نهاية العام 2017م.

بيان البنك المركزي

أعلن البنك المركزي اليمني بتاريخ 29 يوليو 2021، اتخاذ قرارات بشأن معالجة التشوهات السعرية بالعملة الوطنية حيث أقر ما يلي:

1. ضخ عملة وطنية محلية فئة ألف ريال ذات الحجم الكبير إلى السوق وتكثيف التداول بها في السوق ومعاودة تعزيز استخدامها في معاملات البيع والشراء النقدي وبمستوى حجم تعامل أكبر.

2. خفض حجم المعروض النقدي بشكل منظم وابقائه في المستويات المقبولة وفق حاجة السوق وبشكل مدروس ومخطط.

3. إلزام البنوك وشركات الصرافة بوقف فرض عمولات جزافية بين مختلف مناطق البلاد.

4. فرض غرامات وعقوبات مشددة على المخالفين.

التقييم

1. ما قام به البنك المركزي اليمني خطوة ممتازة انتظرها الشعب اليمني طويلا، وهي إعادة التعامل بالطبعة النقدية القديمة من العملة المحلية وضخها في السوق بشكل مدروس وتقليص التعامل بالطبعة الحديثة، وبدء سحبها من السوق بشكل تدريجي، بهدف معالجة التشوهات السعرية وإعادة توازن العرض والطلب على النقد في كافة مناطقه الجمهورية بدلاً من تركزه في مناطق الشرعية، وبتخطيط حوثي لزعزعة استقرار سعر الصرف وتحقيق مكاسب سياسية.

2. أن قرارات البنك المركزي اليمني التي وردت في البيان، في حالة نجاحها من شأنها إعادة التوازن في العرض والطلب على النقد بشقيه المحلي والأجنبي، وتوزيع الطلب على النقد الأجنبي في كافة مناطق الجمهورية اليمنية بدل من ترزه على مناطق جغرافية معينة.

3. سيعمل القرار على معالجة التشوه السعري بالعملة الوطنية وتوحيد سعر الصرف في كافة مناطق الجمهورية بعد إعادة التوازن النقدي (العرض والطلب) المذكور انفا في الفقرة (1)، والذي بموجبه سيتحدد سعر عادل للصرف بناء على قوى السوق (العرض والطلب).

4. إذا نجح القرار سيجبر أطراف الصراف على العمل لما من شأنه استقرار سعر الصرف بدلاً من استخدام الحرب الاقتصادية كورقة ضغط من أحد الأطراف ضد الطرف الآخر، فسعر الصرف الموحد من مصلحة كافة الأطراف المحافظة واستقراره والعمل على تحسين قيمة الريال اليمني.

5. نجاح القرارات ستكون مقدمة لأي نقاش يدور حول تحييد الاقتصاد، والعمل والسعي من كافة الأطراف لما من شأنه استقرار سعر الصرف، كما أنها مقدمة لأي تفاهمات مستقبلية من شأنها إنهاء حالة الانقسام النقدي وإزالة التشوه السعري في صرف العملة المحلية بذات الفئة الواحدة في كافة مناطق الجمهورية.

5. وبزوال التشوه السعري، فإن النتيجة ستكون خفض تكلفة الحوالات من مناطق الشرعية إلى مناطق الحوثيين والتي وصلت حد اجتزاء ما يعادل 70% من المبلغ المستلم في مناطق الحوثيين.

ومن الأهمية بمكان الاشارة الى أن القرارات التي اتخذها البنك المركزي كان الهدف منها (بحسب البيان) معالجة التشوه السعري للعملة المحلية، وإلغاء عمولة الحوالات وغيرها من الأهداف، غير أن تدهور قيمة الريال اليمني، يجب أن يتم معالجته بناء على دراسة مسببات الانهيار ووضع مصفوفة من المعالجات بالتنسيق والتكامل بين الحكومة والبنك المركزي وبقية أجهزة الدولة الأخرى ذات العلاقة للحد من تدهور سعر صرف العملة الوطنية.

شروط نجاح القرارات

1. يشترط نجاح القرار أن يتم ضخ النقود وفقاً لما جاء في بيان البنك المركزي، بمعنى أن تتم العملية وفق آلية مخططة ومدروسة، على أن يكون العرض النقدي من العملة المحلية في المستويات المقبولة والمتوافقة كمياً مع حاجة السوق لها، وأي إخلال بهذا الشرط يمكن أن يؤدي ضخ النقد إلى آثار تضخمية تنعكس سلباً على قيمة العملة المحلية في عموم السوق اليمنية ومختلف المناطق.

2. يشترط أيضاً لتنفيذ القرار، أن تتكاتف وتتعاون مع البنك المركزي اليمني كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها بما فيها الأجهزة الأمنية وجهاز الأمن القومي على وجه الخصوص والأطراف الموقعة على اتفاق الرياض، وتكوين غرفة عمليات مشتركة لتنفيذ القرارات، فالمصلحة العليا تقتضي تكاتف الجميع، فالتدهور الاقتصادي والتضخم أنهك كاهل الشعب اليمني شمالاً وجنوباً، ولا داعي لمزيد من الانقسام، فمصلحة الوطن والمواطن فوق كل الاعتبارات.

فرص النجاح

لقد نجح الحوثي في تعميق الانقسام النقدي واحداث التشوه السعري بسبب وجود طبعتين مختلفتين من النقد المحلي (حجم كبير، وحجم صغير)، ما سهل التمييز بينهما وجعل من الصعب تواجد الطبعات الحديثة في مناطق سيطرة الحوثيين.

لكن الأمر يختلف مع قرار الشرعية العودة إلى الطبعة القديمة (العريض) وتكثيف التعامل بها، وبفئات ورموز تتطابق تماما مع الفئات والرموز المعتمدة لدى الحوثي، وأبعد من ذلك إمكانية الشرعية العودة لطبعات ما قبل 2015م.

لذلك فرص نجاح قرارات البنك كبيرة ولكن بتوفر الشروط السابقة الذكر، أي إدارة كفؤة من البنك المركزي اليمني للمعروض النقدي، وتكاتف وتعاون الجميع وتغليب مصلحة الوطن والموطن على المصالح الشخصية (أنظر الشروط).

التحديات

يجب ألا نغفل أننا نتعامل مع جماعة انقلابية لا تتردد في اتخاذ أي قرارات او إجراءات من شأنها تدمير ما تبقى من اقتصاد هش شوهته الجماعة بوسائلها المختلفة، لذلك قد تقدم الجماعة على اتخاذ قرارات كارثية وهي مستبعدة لكن من باب التذكير يجب أن نشير إليها مثل:

1. الغاء التعامل بالنقد المحلي واستبداله بطبعة محلية تختلف شكلاً ومضموناً عن الطبعات المتوفرة القانونية والتي طبعت بموجب قانون البنك المركزي اليمني، وصك نقود معدنية فئات 100 ريال وما فوق.

2. أحد أهم أهداف سلطة الانقلاب من منع التداول بالطبعة الحديثة، هو استهلاك الطبعة القديمة واندثارها ليكون ذلك مبرراً لإصدار نقد إلكتروني بديلاً عن النقد المحلي القانوني، لذلك قد تقدم الجماعة لسن قانون الريال الالكتروني بالتوازي مع صك نقود معدنية فئات 100 وما فوق من أجل المدفوعات الفورية. 

التوصيات

1. أصبح البنك المركزي اليمني يواجه الأزمة منفرداً، بالرغم من أن مسببات الأزمة ليس لها علاقة بالسياسة النقدية، فهي إما ناتجة عن تعطيل السياسة المالية في البلاد وعجز الإيرادات عن تغطية النفقات، أو ناتجة عن حرب اقتصادية شعواء تشنها جماعة الحوثي على وجه الخصوص ضد الشعب اليمني، لذلك: يجب على الحكومة رفع مستوى المسؤولية لديها، والتعاون والتنسيق والتكامل مع البنك المركزي اليمني في إدارة الملف الاقتصادي، وعدم جعل المركزي شماعة يعلق عليها إخفاقات الحكومة.

2. العمل على توفير الشرط المذكور أنفا (انظر الشروط) وهو تعاون كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها بما فيها الأجهزة الأمنية وجهاز الأمن القومي على وجه الخصوص والأطراف الموقعة على اتفاق الرياض مع البنك المركزي اليمني، وتكوين غرفة عمليات مشتركة لتنفيذ القرار، فالمصلحة العليا تقتضي تكاتف الجميع، فالتدهور الاقتصادي والتضخم أنهك كاهل الشعب اليمني شمالاً وجنوباً، ولا داعي لمزيد من الانقسام، ومصلحة الوطن والمواطن فوق كل المصالح والاعتبارات.

3. إن خطوة البنك المركزي في إعادة التعامل بالطبعة العريضة، يجب أن يرافقها خطوات أخرى تتخذها وزارة الداخلية وبالتنسيق مع النيابة والبنك المركزي، تتمثل في إغلاق واستجواب وتغريم البنوك وشركات الصرافة والمضاربين بالعملة المخالفين لتعليمات البنك المركزي بالأخص التعليمات التي تلزم البنوك بقبول وتداول النقد بكافة فئاته وطبعاته في كافة مناطق الجمهورية، ووقف فرض عمولات جزافية غير واقعية للتحويلات الداخلية.

4. جماعة الحوثي، عليها أن تتعاون مع البنك المركزي في عدن، وعدم استخدام الورقة الاقتصادية كوسيلة ضغط على الشرعية، فالمتضرر الوحيد هو المواطن اليمني في الشمال والجنوب، وبالإمكان التنسيق في هذا الجانب ولنا تجارب ناجحة سابقة في العام 2018م، عندما تم تنفيذ حملات أمنية منظمة على المخالفين في كافة مناطق الجمهورية شمالاً وجنوباً.

5. على القطاع الخاص والبنوك على وجه الخصوص وكافة مكونات الشعب وأطيافه السياسية والاجتماعية خصوصاً القاطنين في مناطق تسيطر عليها جماعة الحوثي، التعاون مع البنك المركزي في عدن والعمل على نجاح قراراته ك، ورفض أي إجراء حوثي من شأنه تدمير ما تبقى من اقتصاد، سواء إصدار ما يسمى بالنقد الالكتروني أو أي إجراء آخر.

وبخصوص تدهور قيمة العمل أكرر ما أقوله في أكثر من مناسبة على الاتي:

1. دراسة مسببات التدهور الاقتصادي وبالخصوص تدهور قيمة العملة الوطنية والتي تكاد تكون معروفة لدى العامة قبل الخبراء والمختصين والمهتمين بالشأن الاقتصادي، وعمل مصفوفة مزمنة لمعالجة وازالة هذه المسببات، سواء كانت مسببات طبيعية ناتجة عن طلب حقيقي للعملات الصعبة أو مسببات مفتعلة ناتجة عن طلب مختلق لأغراض مختلفة أهمها اغراض سياسية، او لأغراض المضاربة من قبل المتاجرين بالعملات فهذا كفيل بوقف الانهيار الاقتصادي أو الحد منه.

2. كما يجب العمل على تجميع مدخرات وتحويلات المغتربين في وعاء واحد (البنك المركزي)، والضغط باتجاه تحويل المساعدات الانسانية عبر البنك المركزي عدن للاستفادة منها بدلاً من تحويلها الى صنعاء تحت تصرف لجنة المدفوعات الحوثية.

3. اضف الى ذلك تفعيل دور الأمن والسلطة القضائية لخلق بيئة آمنة لتشجيع وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

4. تنظيم الاستيراد وعلى وجه الخصوص استيراد المشتقات النفطية، المتهم الأول بخلق الطلب على النقد الأجنبي وبالتنسيق مع البنك المركزي.

وفيما يتعلق بمالية الدولة المعطلة والتي تعد أحد أسباب التدهور الاقتصادي فيتطلب الأمر: 

1. إعداد موازنة الدولة وإقرارها أولا، 

2. توريد كافة إيرادات الدولة إلى البنك المركزي ومحاسبة من يعبث بها أو يعيق وصولها للخزينة العامة للدولة ثانيا،

3. ومن ثم تنمية الإيرادات والبحث عن دعم خارجي ثالثا،

وحيد عبد الكريم الفودعي باحث ومحلل مالي واقتصادي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق