اخبار فلسطين

ماذا تعني عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في الضفة الغربية؟

 

يكثر الحديث الإسرائيلي منذ فترة عن احتمالات شنّ عملية عسكرية واسعة في الضفّة الغربية، وتحديدا في شمالها. ينبغي التذكير، والحالة هذه، أنّ الاحتلال ما يزال في غمرة عمليته التي أطلقها منذ آذار/ مارس العام الماضي، أي منذ أكثر من عام وثلاثة شهور، وسمّاها “كاسر الأمواج”، في ذلك الشهر قُتل 11 إسرائيليّا، وأصيب 27 آخرون، بينما كان آخر العمليات التي نفّذها فلسطينيون في هذا الشهر حزيران/ يونيو 2023، إطلاق نار أنجزه مقاتلان من حركة حماس أفضى، بحسب الاعترافات الإسرائيلية، إلى مقتل 4 إسرائيليين وإصابة عدد آخر بجراح، في حين استشهد المنفّذان. وقد سبق ذلك كمين استهدف بعبوات متفجرة، اقتحاما إسرائيليّا لمخيم جنين أصيب فيه على الأقل 7 جنود إسرائيليين.

منذ إطلاق عملية “كاسر الأمواج” لا يبدو أنّ شيئا كثيرا قد تغيّر، فقد حصلت عدة عمليات نوعية في الأثناء، منها عملية عدي التميمي، وخيري علقم، وتمددت الحالة الكفاحية إلى مخيم عقبة جبر في أريحا، كما عاد الاحتلال لاستخدام القصف من الجوّ، سواء بالمروحيات كما الاشتباكات التي تلت كمين جنين أخيرا، أو في اغتيال ثلاثة مقاتلين فلسطينيين في شماليّ جنين بطائرة مسيّرة إسرائيلية هذا الشهر. ولم تخل الأحداث، خلال هذا الوقت الممتد، من عمليات حصار ضربت على نابلس وأريحا. وهكذا يمكن القول إنّ عملية “كاسر الأمواج”، قد فشلت بالفعل، حتى لو بدا أن ثمّة نجاحات في تفكيك الحالة التي عرفت في نابلس باسم “عرين الأسود”، فهو أمر متوقع لجملة أسباب، منها أسباب فلسطينية داخلية.

عملية “كاسر الأمواج” لم تنجح في كسر أمواج المقاومة، وإن نجحت في التعبير عن طبيعة الحالة المقاومة، من كونها أمواجا متتابعة، وهذه الأمواج تتسم بالتحوّل والتكيّف وقدر من الثبات النسبي في التتابع، فهل يعني ذلك أن العدوّ ذاهب نحو عملية واسعة؟!كذلك هو متوقع، بالنظر إلى طبيعة الصراع، والتفوّق الأمني الإسرائيلي، وما سمّيناه في مقالات سابقة ووصفناه بأنه “حالة هجينة”، من حيث تصاعد المقاومة، وفي الوقت نفسه، وجود قدر ظاهر من الاغتراب الاجتماعي، ناجم عن الظرف الفلسطيني الخاصّ بالضفة الغربية، وتعلّقاته السياسية والاقتصادية والإدارية، ممّا يقتضي تحوّلات بالانتقال بالظرف المقاوم إلى نمط أرقى، يتجاوز الحالة ذات الطابع الاستعراضي السابق، وهو ما يبدو أنّ السعي إليه حاصل في مسابقة قاسية مع العدوّ، الذي بات يضاعف أخيرا من عمليات الاعتقال والمداهمات، التي تتركز تجاه فصائل المقاومة تحديدا، في انعكاس لما يدور في الخفاء، والذي كان من صوره كما ذكرت مصادر إعلامية، اعتقال عناصر لحركة حماس في الأردن، بتهمة تهريب السلاح إلى الضفّة الغربية.

هذه الصورة في المجمل، تعني أنّ عملية “كاسر الأمواج” لم تنجح في كسر أمواج المقاومة، وإن نجحت في التعبير عن طبيعة الحالة المقاومة، من كونها أمواجا متتابعة، وهذه الأمواج تتسم بالتحوّل والتكيّف وقدر من الثبات النسبي في التتابع، فهل يعني ذلك أن العدوّ ذاهب نحو عملية واسعة؟!

حين الحديث عن عملية واسعة، ينبغي السؤال عن ماهية السعة في هذه العملية. يجري الحديث، حتى في أوساط إسرائيلية، عن عملية على غرار “عملية السور الواقي” التي دفع بها شارون نحو المناطق (أ) في الضفة الغربية، آخر آذار/ مارس 2002. هذه الدعوة لاستنساخ “السور الواقي” سخر منها وزير الحرب الإسرائيلي السابق غانتس بقوله: “هذا ما يدعو له أناس لا يفهمون ما يعني تنفيذ مثل هذه العملية، لا يعرفون ما هي ظروف المنطقة، إنهم فقط يطلقون مجرد كلمات”، في الوقت نفسه كان غانتس يقرّ بأنّ أكثر من نصف جيش الاحتلال موجود بالفعل في الضفّة الغربية.

ليس ثمّة معنى إذن، بحسب غانتس، للحديث عن عملية “سور واقي” ثانية، جوهريّا، لأنّ عملية “السور الواقي” الأولى استهدفت الإلغاء الفعلي لمناطق (أ). ليس ثمّة حرمة، منذ العام 2002، لهذه المناطق التي بات يدخلها الاحتلال الإسرائيلي متى أراد. صحيح أنّ قوات الاحتلال تواجه بالمقاومة الشعبية حين الاقتحام، وبإطلاق النار في بعض المناطق، وبات دخول مخيم جنين أصعب من ذي قبل، لكنّ تصدّي القوات الفلسطينية الرسمية لهذه الاقتحامات لم يعد قائما، بخلاف ما كان عليه الحال في انتفاضة الأقصى، مما يعني أن شارون أراد حينها تحييد السلطة الفلسطينية عن حالة المقاومة التي كانت قائمة وقتها.

عملية “السور الواقي” الأولى استهدفت الإلغاء الفعلي لمناطق (أ). ليس ثمّة حرمة، منذ العام 2002، لهذه المناطق التي بات يدخلها الاحتلال الإسرائيلي متى أراد. صحيح أنّ قوات الاحتلال تواجه بالمقاومة الشعبية حين الاقتحام، وبإطلاق النار في بعض المناطق، وبات دخول مخيم جنين أصعب من ذي قبل، لكنّ تصدّي القوات الفلسطينية الرسمية لهذه الاقتحامات لم يعد قائما، بخلاف ما كان عليه الحال في انتفاضة الأقصىيمكن الحديث إذن عن ثلاثة اختلافات جوهرية، وهي الإلغاء الفعلي لمناطق (أ)، واختلاف موقع السلطة من حالة المقاومة بالنسبة لما كانت عليه في انتفاضة الأقصى، وتركّز حالة المقاومة الأكثر إرباكا للاحتلال في مناطق محدّدة في شمال الضفّة الغربية، مما يعني أنّها أقل انتشارا ممّا كانت عليه في الانتفاضة الثانية، ومن ثمّ، وفي حين أنه بالنسبة لانعدام الحرمة لمناطق (أ) لا معنى لعملية “سور واقي” ثانية، فإنّ التوسيع العنيف للعمليات القائمة، قد يهدّد موقف السلطة الفلسطينية من جهة، وقد يؤدّي لانفراط في الوضع القائم من شأنه أن يأتي بالضدّ على أهداف العملية العسكرية الإسرائيلية، وذلك بتوسّع حالة المقاومة، واندماج أوساط أوسع من الجماهير فيها.

سياسيّا، تبنّى نتنياهو ما سمّاه “السلام الاقتصادي”، وأوساط أخرى سياسية وأمنية وأكاديمية، تبنّت خطّة أخرى أُطلق عليها “تقليص الصراع”. هذه التصوّرات كلّها تهتمّ بعزل الجماهير الفلسطينية تماما عن أيّ حالة مقاومة، وإشغالها بالهمّ الاقتصادي، وتجريدها من الشعور بثقل الاحتلال. ومن ثمّ فإنّ أيّ توسّع في العمليات العسكرية الإسرائيلية من شأنه أن يزعزع هذه السياسات التي تستهدف عمق المجتمع الفلسطيني في وعيه وفي إرادته، بالتركيز على البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، فبالضرورة كان كلّ تجاوز نسبيّ لهذه السياسات، بالحصار الذي ضرب على بعض المدن، أو بتوسيع الاقتحامات، أو بالاغتيال من الجوّ، يعني وجود تحدّ أمنيّ مزعج للاحتلال الإسرائيلي.

التعامل الإجرائي، في حدود موضعية، هو الخيار الذي سيظلّ مفضّلاً في الأفق المنظور لدى المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية، بالرغم من دفع أحزاب الصهيونية الدينية نحو إجراءات أكثر سعة، بيد أنّ القرار الحقيقي في قضايا من هذا القبيل بيد المؤسسة العسكرية والأمنيةإذن، فإنّ أيّ عملية عسكرية واسعة لن تكون على غرار عملية “السور الواقي”، وما يدور بالنسبة للأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، هو اقتحام واسع لمدينة جنين، يطول حتى 48 ساعة، في عدد من المحاور والمواقع في وقت واحد. هذا الاقتراح الأمني تفيد المصادر الإسرائيلية أنّ نتنياهو ووزير حربه غالنت قد رفضاه، وإن كان هذا الرفض قد يتغيّر نحو القبول بحسب الأحداث المحتملة، على الصعيد الأمني.

التعامل الإجرائي، في حدود موضعية، هو الخيار الذي سيظلّ مفضّلاً في الأفق المنظور لدى المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية الإسرائيلية، بالرغم من دفع أحزاب الصهيونية الدينية نحو إجراءات أكثر سعة، بيد أنّ القرار الحقيقي في قضايا من هذا القبيل بيد المؤسسة العسكرية والأمنية. هذا التعامل حين توسيعه، سيكون مجرّد زيادة على ما هو قائم، إذ في الضفة الغربية 25 كتيبة عاملة للجيش الإسرائيلي. فكما أنّ الاحتلال، ضرب الحصار على بعض المناطق في أوقات سابقة، وقصف من الجوّ، وأفضت سياسات الاقتحام السابقة له عن ارتقاء أعداد كبيرة من الشهداء في اليوم الواحد، فإنّه لن يمتنع في حال اضطراره عن توسيع هذه الإجراءات، ولكن في حدود موضعية ومؤقتة كما هو مذكور، في حدود ما أمكنه التحكّم في سير العملية، وبالقدر الذي يضمن له عزل المناطق الأخرى عن حالة المقاومة. وأمّا أحزاب الصهيونية الدينية، فقد يرضيها بإطلاق المستوطنين على قرى الفلسطينيين كما حصل أخيرا، وهو تحدّ آخر ينبغي أن يستعد له الفلسطينيون جيدا