منوعات

التلصص الجنسى .. مرض نفسى أم تجارة؟!

محمود صالح

كان التلصصوما زالآفة الكثير من البشر، وتلك عادة سيئة نهت عنها كل الأديان السماوية، والشرائع المقدسة. ومع ذلك، تراها حاضرة وبقوة في النفس البشرية، وحضورها جاء بأسباب عدة؛ منها ما هو ضعف ديني، ومنها ما هو مرض نفسي،لكن مؤخرًا بات التلصص مهنة، ومهنة مربحة كمان!

ومع أنها عادة سيئة في حد ذاتها، إلا أنها ازدادت سوءاً عندما استخدمها المتلصصين ناحية الجنس، وأصبح هوسهم تصوير الفتيات عاريات، إما لأزمة نفسية يعانون منها، أو بغرض بيع تلك الصور والفيديوهات للمواقع الإباحية، مقابل مبالغ طائلة.

وللأسف، ساعدت التكنولوجيا المتلصصين بشكل أو بآخر في تسهيل مهامهم، عبر كاميرات غاية في الصغر، تكاد لا ترى، يتم وضعها داخل محال الملابس، وتحديدًا فيالبروڤات، وغيرها من الأماكن التي تضطر فيها النساء إلى تغيير ملابسهن خارج منازلهن

وانتشر الأمر بشكل كبير حتى خصصت المواقع الإباحية ملفات كاملة تحوي العديد من الفيديوهات والصور التي لا حصر لها

في السطور التالية سندخل معكم دهاليز طرق التصوير، ودوافعها .. التفسية منها الإجرامية. وعمليات بيع محتوياتها للمواقع الإباحية. وحجم تلك المبالغ التي تُدفع فيها.

في طريق بركة السبع، وتحديدًا في نطاق مركز زفتى بمحافظة الغربية، يوجد موقف طنطا، وحول الموقف الكثير من المحال التجارية المخصصة للملابس، والتي تبيع عادة بأسعار رمزية، ولأسعارها الرخيصة وموقعها المتميز يتوافد الكثيرون عليها للشراء.

إلى هنا كان الأمر طبيعيًا، لكن لم يكن من الطبيعي أن واحدًا من هذه المحال يبيع بسعر أرخص من كل المحال التي بجانبه، لكن في مقابل ذلك يستخدم غرف تغيير الملابس كاستديو، يلتقط فيه صورًا للسيدات خِلسة.

تلك الواقعة التي تم كشفها منذ أيام ما كانت لتكشف لولا فتاة ووالدتها لاحظتا وجود فتحة صغيرة في جدران غرفة تغيير الملابس، ولاحظتا فيها كاميرا مثبتة. وعليه أبلغوا قسم شرطة زفتى على الفور، وبمجرد التحقق من الواقعة تم القبض على صاحب المحل.

وبفحص “الكمبيوتر” الخاص بالمحل وهاتف المتهم تبين احتوائه على عدد كبير من صور وفيديوهات الفتيات والسيدات أثناء تواجدهن بالمكان المخصص لقياس الملابس داخل المحل، وعليه تم تحرير محضرًا بالواقعة وإحالته إلى جهات التحقيق لاتخاذ الإجراءات اللازمة ضده وتم غلق المحل.

تجارة

من الممكن اعتبار تلك الواقعة كغيرها من الوقائع المماثلة، والتى يتخذ أصحابها فكرة التلصص لغرض ما في نفوسهم. لكن في تلك الواقعة تحديدًا كان الأمر مختلف، صاحب المحل يتخذ من تلك الصور والفيديوهات التي يصوّرها للفتيات داخل غرف الملابس وسيلة للربح، بطريقتين: إما ابتزازهم بها، او بيعها كمحتوى إباحى.

في الحالتين الأمر بالنسبة له مربح، تخافه البنات فتدفع ثمن سكوته، أو أن يبيع المحتوى لعشرات المواقع الإباحية التي تدر دخلًا كبيرًا عليه مقابل نشره.

عن المواقع الإباحية فالأمر مربح، ولا يحتاج الشخص الذي يبيع المحتوى الإباحي عادة إلا تسجيل الدخول بحساب خاص فيه بعض بياناته، ويقوم من خلاله برفع الصور والفيديوهات التي يريد نشرها، ويتابع بعد ذلك عدد المشاهدات، وكلما كان عدد المشاهدات كبير كلما كان ربحه كبير.

هناك مواقع تشتري المواد الإباحية قبل نشرها، وهم من يتولون نشرها بطريقتهم، ويتحصل البائع على المبلغ الذي تم الاتفاق عليه، كموقع إباحي مثلا كان يعرض عبر منصته مبلغ ٢١ ألف دولار مقابل رفع ١٠ مقاطع إباحية مدة كل مقطع لا تقل عن ثلاثون دقيقة، بمعنى أن الدقيقة الإباحية سعرها ٧٠ دولار، أى ما يعادل ألف جنيه.

وموقع شهير آخر تتخطى أرباحه الشهرية  حاجز الـ ٣٠ ألف دولار بناءً على اشتراطات معينة يضعها الموقع، وهذه الأسعار تختلف باختلاف المحتوى الإباحي، أى أنه كلما كان المحتوى ذات قصة كلما كان سعره أكبر، أما بالنسبة لتلك الصور والفيديوهات التي يتم تصويرها خلسة. فتعامل معاملة الربح الإكتروني العادي، مثل الربح من خلال يوتيوب عن طريق نسب المشاهدة.

مثلا في أشهر المواقع الإباحية، تُحسب عوائد المحتوى الإباحي كالتالي: أولا أرباح الإعلانات، وهى تقدر بنحو ٠.٦٤  دولارا لكل ألف مشاهدة، وتصل مبيعات الفيديو إلى ٦٥٪ من سعر البيع. سواء كان المحتوى مجاني أو مخصص، بالإضافة إلى بند تحت مسمى الإكراميات والتبرعات يصل إلى ٨٠٪، بالإضافة إلى منح جوائز عن طريق دخول المحتوى في مسابقات يحددها الموقع، بمعنى أنه – وبحسبة بسيطة – إذا تم تحميل مقطع فيديو ووصل إلى مئة ألف مشاهدة فقد تصل أرباحه إلى ٦٤٠ دولارًا إعلانات فقط، بالإضافة إلى المبالغ الأخرى الخاصة بالمحتوى وبيعه.

قواد نت

تلك المواقع – للأسف – أصبحت واجهة استثمارية لكل متلصص هدفه الربح، نظرًا للعوائد المالية الضخمة المرجوة من وراءها. أما عن سبل الحد من تلك التجارة، كانت هناك خطوات جادة وفعلية قامت بها الأجهزة المعنية، يفندها المهندس “وليد حجاج” خبير أمن المعلومات لـ “أخبار الحوادث” قائلا: “لابد أن نشير إلى أن وجود محتوى إباحي متدوال عن طريق الانترنت أمر في غاية الخطورة، وللأسف الشديد حتى إمكانية حجب المواقع الإباحية أصبح بلا جدوى، لأن التطور التكنولوجي المذهل ووجود تطبيقات لفك الحجب منها تطبيق “ڤي بي إن” وغيره. أصبح عائقا لنجاح الحجب من الأساس، لأنه وبكل سهولة يستطيع الفرد التصفح مقابل أربعين دولارا  فقط كاشتراك ممتد مدى الحياة،  وبإمكان المشتري أن يختار اسم الدولة التي يسجل باسمها دخوله على الموقع الإباحي، فلو كان يعيش في مصر، يسجل نفسه كمقيم في الولايات المتحدة”.

وأضاف: “لذلك يعتبر التحدي الأهم امامنا أن يكون لدينا الجرأة والشجاعة على نقل التربية الجنسية من كونها قضية أخلاقية ودينية إلى أخرى إنسانية ونفسية وبيولوجية، حتى لا يقتصر دورها على ما تتيحه تلك المواقع.. هذا عن وجودها أما عن كونها واجهة استثمارية لبيع المحتويات الإباحية فالأمر هنا له شقين، أولهما ان طرق البيع يتم رصدها عادة عن طريق تحويل المبالغ مقابل تلك المحتويات، فالشخص الذي يتعامل مع الموقع ويرفع من خلاله محتوياته الإباحية قد لا يتم الوصول له في حينها، لكن بمجرد ما أن ترسل إليه الأموال، بأى طريقة، فإن عيون أجهزة الأمن تبدأ في رصده، وتعقبه، ومن ثم القبض عليه في أقرب فرصة سانحة، أما ثانيهما فيتعلق بعقلية وطبيعة ذلك الشخص الذي قرر أن يكتسب قرشًا من خلال بيع تلك المحتويات، فالأمر يشبه القواد في تعريفه، الفارق أن هذا قواد في عالم حقيقي وذاك قواد في عالم افتراضي، وكلاهما يبيع الجنس”.

هذا عن التلصص بهدف الربح، أما التلصص لسبب نفسي، فإن الكثير من الوقائع التي تم رصدها مؤخرًا والتي كانت أيضًا عن طريق التصوير المخفي، والذي بات جزءً رئيسيًا في عمليات التلصص عمومًا، بطرق عدة وبأشكال مختلفة، على سبيل المثال، واقعة الهرم، تلك الواقعة التى تم كشفها أواخر شهر أكتوبر من العام الحالي، والذي كان فيها صاحب محل شهير للملابس الحريمي – في شارع فاطمة رشدي المتفرع من شارع الهرم – يلتقط صورًا لفتيات داخل غرف تغيير الملابس، عبر فتحة صغيرة في الحائط، يقف هو خلفها واضعًا عدسة هاتفه ويلتقط الصور خِلسة.

سلوك قهري

بصرف النظر عن عدد تلك الصور والتي تجاوزت الـ ٩٠٠ صورة،  وبصرف النظر عن أن تلك المرة لم تكن الأولى له، بل سبق أن تم القبض عليه لنفس السبب وقضى عقوبته، ولم يتعظ أو يتراجع، لكن في حالته لم يكن الأمر لغاية الربح. بل كان الأمر طبعًا فيه إنحرافا وفضولًا ساقه إلى فعل ما فعله، لأنه لم يكن يبيع تلك الصور للمواقع الإباحية، بل كان يحتفظ بها لنفسه.

الأمر من هذه الزاوية فُسّر بمنظور نفسي على أنه سلوك قهري، وهذا التفسير يؤكده لـ “أخبار الحوادث” الدكتور علي عبد الراضي استشاري العلاج والتأهيل النفسي، وعن هذا السلوك ومسبباته قال: “أصحاب هذه السلوكيات ينظر اليهم من وجهة نظر الطب النفسي على أنهم مرضى يعانون من الانحراف الجنسي، ويشخص انحرافهم باسم التلصصية، وهو واحد من ١٥ انحرافا جنسيا معروفا، وهي لا ترتبط بمجتمع معين، أو بثقافة محددة، وصاحبها يستمتع برؤية الآخرين عرايا، أو وهم يمارسون العلاقة الجنسية، من خلال استراق النظر من خلف الأبواب أو النوافذ المغلقة، أو باستعمال مناظير تكبير من على بعد، أو باستعمال عدسات أو تقنيات تكنولوجية حديثة، أو حتى بمشاهدة مجلات أو أفلام خليعة. ولوحظ بالفحص الاكلينيكي والتاريخ المرضي لهؤلاء الناس أنهم يفشلون في الاستثارة الجنسية الطبيعية الا اذا أشبعوا فضولهم المنحرف بمثل هذه السلوكيات.

وأضاف: “لذلك من المؤكد أن سلوك التلصص، وتحديدًا الجنسي منها، سلوك قهري، اضطراري، يجد صاحبه نفسه مضطراً ومدفوعاً اليه لاشعورياً لاشباع حاجته النفسية والجنسية، وأن الاشباع الجنسي لديه لا يتحقق الا من خلال سلوكه الانحرافي هذا، وغالبا ما يشعرون بالتوتر، والاضطراب، والقلق والاخفاق اذا ما فشلوا في ذلك.