منوعات

حكاية 150 سنة من عمر كوبرى «قصر النيل»

ملايين المصريين ترجلوا على كوبرى قصر النيل، وتنزهوا عليه فى الأعياد، ووقف عليه العشاق للاستمتاع بجمال النيل، ومئات الملايين عبروا بسياراتهم عليه بين ضفتى النيل، ومن خلاله كان ضباط مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 ينتقلون يوميا إلى مجلس قيادة الثورة، وشهد الكوبرى احتشاد عشرات الآلاف من الذين اعتلوا أعمدته وأسواره لمتابعة جنازة الزعيم جمال عبد الناصر فى سبتمبر 1970.

وملايين من المصريين التقطوا الصور التذكارية مع 4 أسود تزين مدخل الكوبرى من الجهتين، ومع ذلك قليل من يعرف تاريخ هذا الكوبرى العريق الذى شهد أحداثا تاريخية منها عبور موكب السلطان العثمانى عبد العزيز أثناء زيارته لمصر برفقة الخديو إسماعيل من قصر الجزيرة إلى سراى عابدين.

ومظاهرات الطلبة عام 1935 التى خرجت من جامعة القاهرة وعبرت كوبرى الجلاء ثم كوبرى قصر النيل متجهة إلى ضريح سعد زغلول لكن البوليس تصدى لها فى نهاية كوبرى قصر النيل وأطلق الأعيرة النارية لمحاولة تفريقهم، وشهد الكوبرى مصرع أحمد حسنين باشا رئيس الديون الملكى فى عهد الملك فاروق فى التاسع من فبراير عام 1946 عند عبور سيارته للكوبرى واصطدامها بسيارة تابعة للجيش البريطانى.

وعلى كوبرى قصر النيل احتشد عشرات الآلاف من الشباب فيما سمى بجمعة الغضب فى 28 يناير 2011 التى شهدت مصادمات بين الشباب والأمن المركزى، قليل من يعرف أن الكوبرى على حاله الآن ليس هو الكوبرى الذى تم تشييده فى عهد الخديو إسماعيل..

دعونا نتعرف على قصة أول كوبرى فى تاريخ مصر يربط بين ضفتى النيل، ولماذا تم تشييده ومن كان صاحب فكرته، ولماذا سمى بكوبرى قصر النيل ثم أطلق عليه الملك فؤاد اسم والده الخديو إسماعيل، ومن الأميرة صاحبة قصر النيل؟ 

 


يؤكد كتيب حفل افتتاح الكوبرى الصادر عن وزارة المواصلات فى 6 يونيه 1933 أن كوبرى قصر النيل هو أول كوبرى يُبنى فى مصر لربط ضفتى النيل، ويتميز بالأربعة أسود المصنوعة من البرونز الموجودة فى بداية الكوبرى ونهايته، ويشير الكتيب إلى أن فكرة إنشاء الكوبرى ترجع إلى الخديو إسماعيل الذى أصدر أوامره العليا بالبدء فى تنفيذ الكوبرى فى عام 1869.

وفى أبريل 1871 كلف الخديو إسماعيل شريف باشا وزير الداخلية، بالاتصال بالخواجة «جاكمار» لعمل 4 تماثيل لأربعة أسود، وكُلفت لجنة من المثال «أوجين جليوم» والمصور «جان ليون» لتولى مهمة الإشراف على بنائها، وقد تكلفت 198 ألف فرانك.

وتم تصميمها وتنفيذها فى فرنسا ثم نقلت عن طريق الإسكندرية حتى وصلت إلى مكانها عند مدخلى الكوبرى الذى تم افتتاحه فى 10 فبراير 1872 ليربط بين ميدان الإسماعيلية الذى استمد اسمه من اسم الخديو إسماعيل – ميدان التحرير الآن – وبين الضفة الغربية من النيل التى بنى عليها قصره الذى سمى بقصر «الجزيرة» – فندق الماريوت حاليا – وقد تم إسناد بناء الكوبرى إلى شركة «فيف – ليل» الفرنسية، وبلغت تكلفة الإنشاء 108 آلاف جنيه، وتم إنشاؤه بطول 406 أمتار.

وعرض 10 أمتار ونصف المتر واستغرق بناؤه 3 سنوات، وكان مكوناً من 8 أجزاء، منها جزء متحرك من ناحية ميدان الإسماعيلية «التحرير حالياً» طوله 64 متراً، مخصصاً لعبور المراكب والسفن يتم فتحه يدوياً من خلال تروس، بالإضافة الى جزءين آخرين بطول 46 متراً، والخمسة أجزاء الأخرى بلغ طولها 50 متراً، وتم تأسيس دعائم الكوبرى من الدبش المحاط بطبقة من الحجر الجيرى الصلب وتنفيذها بطريقة الهواء المضغوط، وبلغ ارتفاع جسم الكوبرى عن النيل 10 أمتار تحسباً للفيضان.

وعند الانتهاء من بناء الكوبرى شُكلت لجنة لاختبار متانة جسم الجسر، بمرور طوبجية مدفعية راكبة مكونة من 6 مدافع بكامل ذخيرتها، وتم المرور فى البداية بالخطوة المعتادة ثم بالخطوة السريعة ثم مرور الطوبجية على قسمين، وبالفعل أثُبتت التجربة صلابة جسم الجسر وصلاحيته للاستخدام..

ولم يكن عبور الكوبرى بالمجان، فقد أصدرت الحكومة قرارا بتحصيل رسوم لعبور الكوبرى لتغطية تكاليف صيانته، وفرضت الرسوم على المارة والحيوانات، ونشرت صحيفة الوقائع المصرية بعد 17 يوما من افتتاح الكوبرى قائمة بتلك الرسوم التى جاءت كالآتى: «قرشان للجمل المحمل وقرش واحد للجمل الفارغ – الخيول والبغال والأبقار والجاموس المحملة قرش و15 مليما – عربات الركوب قرشان للعربة المحملة وقرش للفارغ – عربات الكارو 3 قروش للمحملة وقرش واحد للفارغة – الأغنام والماعز 10 مليم على الرأس الواحدة – النعام الصغير والكبير والغزلان والكلاب والخنازير 10 فضة – أما الرجال والنساء فكانت تكلفة العبور 100 فضة «فارغين أو محملين»، والأطفال حتى ست سنوات «بالمجانى»..

بعد 59 عاماً من إنشاء الكوبرى، وفى عهد الملك فؤاد الأول، زادت حركة التنقلات بعد دخول السيارات الى مصر، وتعرض الكوبرى لخطورة ذلك فعرضت الحكومة على الملك عمل توسعة للكوبرى، ووافق الملك على هدم الكوبرى القديم ووضع حجر أساس الكوبرى الجديد فى 4 فبراير 1931 بحيث يبلغ عرض الكوبرى 20 مترا.

وتم إسناده إلى شركة «دورمان لونج» بمبلغ 292 ألف جنيه على أن يتم إنجازه فى 30 شهرا من أول يناير1931 وافتتح فى 6 يونيو 1933 وأطلق عليه اسم «كوبرى الخديو إسماعيل» إحياءً لذكرى والده، ونشرت «المصور» موضوعا عن الافتتاح فى عدد 9 يونيو 1933 بعنوان « كوبرى أبو الأشبال» لوجود أربعة اسود على المدخل والمخرج..

وتعود تسمية كوبرى قصر النيل الى قصر «الأميرة زينب هانم» ابنة محمد على باشا الكبير الذى كان موجوداً على ضفة النيل وتمت إزالته فى عهد الخديو سعيد وأقيم بدلاً منه ثكنات للجيش المصرى، أصبحت فيما بعد ثكنات قصر النيل التى احتلها الجيش الإنجليزى واتخذها مقراً له من 1882، ويحتل مكانه حالياً جامعة الدول العربية وفندق النيل هيلتون، وتغير اسم «ميدان الإسماعيلية» إلى «ميدان التحرير».

ومازال كوبرى «قصر النيل» يحتفظ باللوحة التذكارية التى تحمل اسم الخديو إسماعيل وإنشائه فى عهد الملك فؤاد الأول وافتتاحه فى 6 يونية 1933، ومع ذلك ظلت الذاكرة الشعبية تعرف الجسر باسم «كوبرى قصر النيل». 
من مجلة «مصر المحروسة»