منوعات

شيرين أبو عاقلة انسانة وزميلة وشهيدة


شيرين أبو عاقلة   انسانة وزميلة وشهيدة

عماد الأصفر فلسطين ” “

عرفت شيرين منذ العام 1995 كانت قد تخرجت للتو من جامعة اليرموك وعملت في إذاعة صوت فلسطين التي انطلق بثها حديثا آنذاك في مدينة اريحا، كانت الإذاعة قد اوفدتها الى المانيا لأخذ دورة في فنون العمل الإذاعي. وكنت عائدا من العراق الى وطني الذي غادرته ابن عامين خلال النكسة.  
كانت الإذاعة عبارة عن غرفة واحدة للجميع وستوديو صغير للبث وغرفة لا تتسع الا لمكتب واحد وكرسيين للمدير باسم أبو سمية، وعلى السطح تم استحداث غرفة تغلي من الحرارة لإجراء المقابلات واجراء عمليات المونتاج، كانت شيرين هناك تجري مقابلة مع أحد أعضاء الكنيست العرب.  
اغلق جيش الاحتلال مدينة اريحا وكان علينا ان نصل الى الإذاعة هناك من رام الله، اتصلنا بأحدهم فقال ما الكم الا شيرين، جاءت شيرين من القدس بسيارتها التي تحمل نمرة إسرائيلية الى رام الله واخذتنا الى اريحا بكل سرور.  
في اليوم التالي استضافتني شيرين في برنامجها سهرة خميس وكانت تقدمه بشكل مشترك مع الزميل عاصف حميدي، للحديث عن الفلسطينيين في العراق.  
انتقلت الإذاعة الى رام الله  
شيرين: إذا النشرة بخط عماد لا تطبعوها.  
شكرا شيرين  
تستلم نشرة الاخبار، تراجعها، تستفسر عن لفظ قرية او اسم عائلة، تعيد كتابة الأسماء الأجنبية بالإنجليزية ليسهل عليها لفظها بالشكل السليم، كانت تتقن الإنجليزية والفرنسية والعبرية.
في ذلك الوقت قررنا الاحتجاج على السياسة التحريرية للاذاعة وعلى سوء اوضاع العاملين ،  رفعنا صوتنا عاليا، وبعثنا شكاوى للمجلس التشريعي، ورسائل للقيادة،  وقابلنا عدة مسؤلين ونشرنا بيانا موجها للرئيس ياسر عرفات على الصفحات الاولى للصحف، كانت شيرين معنا في كل هذه الخطوات، خاصة عندما نذهب لمقابلة المسؤلين لشرح مطالبنا.
حققنا بعض المطالب، جائتنا فاتورة اعلانات الصحف ٥٠٠ شيكل،
شيرين: سأدفعها انا.
انا: لا لن ندفعها سنرسلها لمكتب رئيس الهيئة رضوان ابو عياش ليدفعها.
وفعلا دفعها.
لم تتوقف شيرين عن التعلم واكتساب المهارة، انضمت لدراسة دبلوم الإذاعة في مركز تطوير الاعلام بجامعة بيرزيت والذي كان يقوده وقتها الأساتذة نبيل الخطيب وعارف حجاوي ووليد العمري، إنطلق نبيل الى mbc وانطلق وليد الى الجزيرة مستقطبا معه شيرين أبو عاقلة.  
ما زلت عند رأيي وانحيازي للعمل الإذاعي، فهو منجم للخبرة الصحفية لأنه يعلم الاختصار والتكثيف، والكتابة بطريقة تصنع مشاهد صوتية مرئية، يستطيع السامع تخيلها، ويجعلك جاهزا على الدوام، ويعطيك شخصية صوتية اصيلة، فالبصمة الصوتية لا تختفي ولا تتبدل كالشخصية المرئية التي قد تتلون بالملابس والماكياج والاكسسورات والمؤثرات، وشيرين كانت بنت الإذاعة ولذلك كان من السهل ان تعمل لمونت كارلو الى جانب عملها للجزيرة.  
شيرين في الجزيرة
جيش الاحتلال يجتاح رام الله، يحاصر المقاطعة، يفرض حظر التجوال، يقتحم العمارة حيث مكاتب الجزيرة، شيرين على الهواء في بث مباشر، دون أدنى ذرة خوف، في غاية التركيز، كل ما تريده هو ان تظل على الهواء، اقتحم الجنود المدججون بالسلاح المكاتب، لم تتوقف لم ترتبك، كانت تتحرك فقط لتضع الجنود واسلحتهم في مرمى الكاميرا.  
ذكريات الخاضعين لمنع التجوال عن هذا الاجتياح مأخوذة بالكامل من تقارير الجزيرة ومن افواه مراسليها وعدسات مصوريها.  
يكاد مكتب الجزيرة في فلسطين ان يكون المكتب الوحيدة من مكاتب هذه الفضائية العملاقة الذي ظل ممسكا على جمرة المهنية، والبعد عن التجنيد والانحياز السياسي، والوفاء لرسالته ومبادئ مهنته واخلاقياتها، لم يكن هذا سهلا في بلد كفلسطين، الا بفضل وليد وشيرين وجيفارا والياس.  
ولعل شيرين كانت الاهدأ من بينهم، والأكثر قدرة على امتصاص الانتقادات الموجهة للجزيرة، لم تكن تدخل في جدل، ولم تكن تقاطع أحدا، وكانت خير مثال لما يجب ان يكون عليه الصحفي بوصفه شخصية عامة.  
الو عماد، بعرف إنك مقاطع الجزيرة، بس مين برأيك ممكن نستضيفه لبرنامج الصحافة؟  
سجلي عندك ………….  
شكرا عماد  
عفوا
الجزيرة تتعرض لتهديدات بحرق مكاتبها، وانا اكتب: “طاقم الجزيرة في فلسطين من اكثر من عرفت من الزملاء مهنية ووطنية، وانا شاهد على اختلافهم مع سياسة قناتهم ،،، لهذا الطاقم افضاله على قضيتنا في الحصار والعدوان والاجتياح، الموقف من الجزيرة لا ينسحب اطلاقا على طاقمها في فلسطين”.  
جيش الاحتلال يغلق حاجز سردا ويمنع سكان القرى ومدرسي وطلبة بيرزيت من الوصول للجامعة بالسيارات، سيكون على الجميع ان يقطعوا المسافة التي تزيد على الكيلو متر ونصف مشيا على الاقدام، مهما كانت حالتهم، كنت اقطع المسافة راكبا الحنطور، الا إذا كان معي وليد او عارف، كانا يفضلان المشي ويريان في الركوب اغراقا في القبول والتكيف، لا اعرف كيف كانت شيرين تقطع هذه المسافة لتدرس طلاب الاعلام كيفية اعداد التقارير التلفزيونية.   
ستعود شيرين الى بيرزيت طالبة من جديد في الدفعة الأولى من دبلوم الاعلام الرقمي في مركز تطوير الاعلام، في حفل التخرج قالت يومها:  
“اليوم أقول بثقة إن الحديث عن تطور الإعلام الرقمي، لم يعد ذاك الغول الذي يصيبني بالذعر كما كان الحال قبل عامين ونصف، إذ اعتقدت حينها أن تعلم هذه المهارات سيكون حكراً على جيل فتح عينيه على هذا النوع من التكنولوجيا، لكنني اكتشفت أن المهارات قابلة للتعلم، ولم يعد ذكر صحافة الموبايل أو استخدام البرامج المتعددة كالفوتوشوب والإنفوغراف يسبّبان لي الخوف، فقد أتقنت بعضاً منها وصرت على دراية كافية بمبادئ بعضها الآخر، وبات التطور اليومي الذي أراه على الشاشات، وعبر وسائل التواصل، أمراً اعتيادياً”
صباح يوم 6 أيلول 2021 هرب 6 معتقلين فلسطينيين من سجن جلبوع، بعدها بساعات كانت شيرين في جنين، وكتبت بعد ذلك لمجلة This week in Palestine
……” ربما كانت مصادفة أعادتني عشرين عامًا إلى الوراء. عندما وصلت إلى جنين في أيلول (سبتمبر)، لم أكن أتوقع أن أعيش من جديد هذا الشعور الساحق. لا تزال جنين هي نفس الشعلة التي لا تنطفئ والتي يعيش فيها الشباب الشجعان الذين لا يخافون من أي غزو إسرائيلي محتمل.
كان نجاح الهروب من سجن جلبوع هو السبب الذي دفعني إلى قضاء عدة أيام وليالي في المدينة. كان الأمر مثل العودة إلى عام 2002 عندما عاشت جنين شيئًا فريدًا، على عكس أي مدينة أخرى في الضفة الغربية. مع اقتراب نهاية انتفاضة الأقصى انتشر مسلحون في أنحاء المدينة وتجرأوا علناً على اقتحام المخيم.
في عام 2002، أصبحت جنين أسطورة في أذهان الكثيرين. المعركة في المخيم ضد قوات الاحتلال في نيسان ما زالت حاضرة بقوة في أذهان سكانه، حتى أولئك الذين لم يولدوا بعد عندما حدثت……
بالنسبة لي، جنين ليست قصة سريعة الزوال في مسيرتي المهنية أو حتى في حياتي الشخصية. إنها المدينة التي يمكن أن ترفع معنوياتي وتساعدني على الطيران. إنها تجسد الروح الفلسطينية التي ترتجف أحيانًا وتسقط، لكنها، فوق كل التوقعات، ترتفع لتتابع رحلاتها وأحلامها.
وكانت هذه تجربتي كصحفي. في اللحظة التي أكون فيها مرهقًا جسديًا ومنهكًا عقليًا، أواجه أسطورة جديدة ومدهشة. قد تخرج من فتحة صغيرة، أو من نفق محفور تحت الأرض”.
على ارض جنين التي كانت ترفع معنوياتها، حلقت شيرين شهيدة، بعد ان ظل الموت يطارها وقريبا منها لربع قرن، لم تلتفت اليه لأنها واصلت التركيز على رسالتها بكل تفان وإخلاص، ربما تعبت ربما ارادت لو اطال الله في عمرها ان تواصل الدراسة او التدريس وان تنهي عملها في الميدان.  
9 من بين كل عشرة مرتكبين لاعتداءات على الصحافيين يفلتون من العقاب، حصة الاحتلال من الإفلات من العقاب هي الأكبر طبعا، عدد الشهداء من الصحفيين برصاص الاحتلال ضعف ما يتم اعتماده لدى الهيئات الدولية، لضعف التوثيق، جريمة قتل شيرين ان لم تكن قادرة على تعديل هذا المسار الدموي، يجب ان تكون باعثة على تطوير المهنية لدى الصحفيين، ودافعا لهم من اجل مزيد من التعلم، والحفاظ على المهنية والأخلاق في هذا العمل الإنساني الذي بات اليوم بحاجة الى تصحيح.   
 رحلت شيرين كابهى ما يكون الرحيل، لم اجرؤ على مشاهدة اي فيديو للجريمة، قررت ان لا احتفظ في ذاكرتي الا بابتسامتها الدائمة السهلة المريحة،  ونظراتها الباعثة على الثقة، رحلت شيرين لتستقر في اذهاننا؛ حزنا وقهرا، دمعة وحرقة،  وفخرا وابتسامة ونموذج عمل ومثل اعلى.