منوعات

  في بيتنا كورونا.. من دفتر المصابين في العزل المنزلي

 

كتب| شاهندة أبو العز

 

يعاني أغلب المصابين بفيروس كورونا المستجد من الاضطرابات النفسية خلال فترة علاجهم خاصة المعزولين بمنازلهم لشعورهم بالوحدة والعزل الاجتماعي، حيث بدأت معظم المستشفيات المخصصة لعزل حالات الإصابة بفيروس كورونا بخروج بعض الحالات الإيجابية، ضمن بروتوكول أعلنت عنه وزارة الصحة مؤخراً، بشرط أن تخضع هذه الحالات لإجراءات العزل المنزلي، وأصبح العديد من الأشخاص الذين يعانون من الأعراض البسيطة للإصابة بالفيروس يخضعون العزل المنزلي تخصيص مستشفيات العزل للحالات المتوسطة والخطيرة.

“الأخبار المسائي” تحدثت مع المصابين في العزل المنزلي وكيف تم قضاء فترات العزل بمفرده؟ وما فعله في تلك الفترة وكيف أثرت عليهم نفسياً ؟!.اقرأ أيضا| تداول خريطة توزيع لقاحات كورونا وفقاً للشرائح الاجتماعية للمواطنين.. اعرف الصح
 

أصيب “عمر طه” وعائلته بفيروس كورونا المستجد لأكثر من 14 يوما، ونظرا لإصابة العائلة بالكامل وخفة الأعراض، قرروا أن يكون العزل منزليا.

يقول عمر أن أول ليالي من تأكد إيجابية التحليل هي أصعب لحظات تمر عليه في حياته، لذا العامل النفسي كان له دور كبير في شعور بالقلق وبالأخص أن والده كان أكثر تعباً وإرهاقاً.

يحكي عمر “للأخبار المسائي” كيف قضى ليالي الحجر المنزلي، ما بين استكمال وأخذ كورسات ودورات تدريبية أونلاين، قد سبق تأجيلها أكثر من مرة لعدم توافر وقت، وما بين محاولة قراءة الكتب والروايات بدلاً من التفكير في إصابته أو ما سوف يفعل به الفيروس.

وأضاف عمر أن عدم الخروج الإجباري من المنزل طيلة فترة إصابته سبب له بعض الهواجس ومشاعر الضيق والاختناق، بالإضافة إلى توقعه بأن الأعراض تتطور في الأيام القادمة.

ومن جانب آخر حاول عمر أن يكون داعم نفسي لأسرته في فترة الحجر المنزلي الذي ظل 14 يوما ليرفع من الروح المعنوية من خلال قضاء وقت مع العائلة عن طريق الأحاديث وتذكر بأخذ مواعيد العلاج وتشجيع بعضهم البعض.

الأمر الذي أختلف مع شادي أحمد عبدالله أحد المصابين بفيروس كورونا المستجد، والذي قرر إمضاء إقرار بالالتزام بالعزل المنزلي 22 يوماً.

عانى شادي من تكسير العظام وهمدان وحرارة مرتفعة في أول أيام العزل، ولكن عمله في إحدى مستشفيات العزل أهلته نفسياً وطبياً في تخطي تلك التجربة ومعرفة كيفية التعامل معها.

يقول “شادي” أنه يسكن في بيت عائلة، لذلك قرر إخلاء شقة ليطبق بها العزل بمفرده، خوفاً من عدوى باقي أفراد أسرته، لكن أخيه لم يتحمل أن يكون هناك شخص مصاب يسكن معهم، فقرر أخذ ابنته وزوجته والذهاب بهما إلى مسكن آخر تاركاً أخيه دون دعم أو تواصل ليشد من أزره خلال تلك المنحة.

وتابع شادي، أنه فقد الدعم النفسي من أفراد أسرته، لذلك كان يقضى ليالي العزل ما بين أخذ الأدوية والنوم، والتحدث مع أصدقائه عبر السوشيال ميديا كي يجد منفذاً بديل العزلة التامة الإجبارية، وحتى لا يشعر بالمرض مضيفاً أن والدته كانت تضع له الوجبات على باب الشقة أول أسبوع من إصابته والذي يصفه بأصعب أسبوع في ظهور الأعراض بشدة، ثم بدأ بعد ذلك بإعداد الطعام بنفسه.

ورغم أن العامل النفسي له دور كبير في سرعة الشفاء إلا أن “شادي” لم يجد ذلك من أسرته فكانت أول الكلمات التي تلقاها من والدته وأبيه عند التحدث معهم عبر -الفيديو كول- ” تستاهل عشان تطوع في العزل “، ” لو رجعت مستشفى عزل تاني نتبرأ منك”، ” ـنت اللي هتجيب لينا الكورونا “، مما زاد عليه الأمر سوء، فكلمات اللوم والعتاب جعلته يعاني من الوحدة التامة والخوف من المستقبل.

” أنا بحب التواجد بالبيت ويمكن ده فادني في تجربة العزل المنزلي”، بهذه الكلمات بدأ محمد المنصوري أحد المصابين بفيروس كورونا المستجد حديثة قائلاً: أن الجلوس في المنزل بشكل إجباري بسبب الإصابة هو أصعب ما قد يمر على الإنسان، فخوف الناس من كونك شخص حامل للفيروس واعتزالهم لفترات زمنية لا تعلم متى ستنتهي قد يكون لها تأثير سلبي على نفسية المصاب المعزول منزلياً.

وأضاف محمد أنه أسرته شاركته العزل، فقد أصيب والداه في بداية الأمر وبعد 3 أيام تأكد من إصابته هو وأخته ووالدته، لذا مرت ليالي العزل التي بلغت 24 يوماً بمشاعر مختلطة من الخوف والقلق على أسرته أكثر من الخوف على نفسه، موضحاً أن الأيام التي كان يتحسن بها وتسوء حالة والده أو أخته كانت تصاحبها تدهور في حالته مرة أخرى.

عاش محمد وأسرته من والده وأخته ووالدته على أنبوبة أكسجين كبيرة، تتبادلها الأسرة فيما بينهم عند انخفاض نسبة الأكسجين بالدم أو شعور بضيق تنفس لفترة تجاوزت الـ 24 يوماً.

يشير محمد إلى أنه قرر بعدم الإفصاح عن ضعفه أو مخاوفه أو شدة تعبه أمام أسرته حتى يرفع من حالتهم النفسية، بينما حاول والده التعامل كأن الفيروس دور برد بسيط ولكن في حيطة من اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، قائلاً ” فيروس كورونا نفسي 100%، أكثر من كونه فيروس فتاك “.

الخوف أن تكون مصدر إصابة آخرين أو أذى جعل “محمد” يلتزم بالعزل المنزلي وعدم الخروج منه نهائياً برغم من سيطرة مشاعر الملل عليه إلا أنه حاول أن يستغله في مشاهدة المسلسلات التركي، والبعد قدر الإمكان عن الأخبار السلبية المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

بينما كان بعد أحمد محمد -أحد المصابين بفيروس كورونا المستجد- عن منزله وتأجير شقة لقضاء العزل المنزلي بمفرده، أكثر ما يرهقه نفسياً حيث أعتاد على وجود والدته وعائلته بجانبه دوماً وبالأخص في الأوقات الصعبة أو المرض.

يقول أحمد أنه منذ بداية ظهور الأعراض عليه، بدأ يفكر في كيف يعزل نفسه بمفرده حتى لا يضر عائلته والدته المريضه أو يكون سبباً في إصابتهم، لذلك قرر استئجار منزل في محيط مسكنه لكي يقيم فيه فترة العزل.

وأضاف أحمد أنه اعتاد على العمل من الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، فلم يكن لديه وقت كثيراً للراحة، لذلك الجلوس بالمنزل كان له تأثير نفسي أكبر من تأثير إصابته بفيروس كورونا، قائلاً ” الحمدلله برغم أني كنت إيجابي إلا أن الأعراض كانت خفيفة ومكنش في تعب”.

قضى أحمد 14 يوماً من العزل المنزلي في متابعة العمل من المنزل للهروب من التفكير في الفيروس والمرض والأخبار السلبية المنتشرة حول عدد الإصابات والوفيات، بالإضافة إلى ممارسة بعض الأنشطة والتمارين الرياضية، ومشاهدة الأفلام الجديدة.

موضحاً أن الدعم النفسي الذي تلقاه خلال فترة عزل ساعد كثيراً في سرعة شفائه، فحاول أصدقاءه مساندته بالتحدث إليه عبر ” فيديو كول” أو زيارته من بلكونة المنزل، ومن جانب آخر حاولت العائلة في تلبية جميع الاحتياجات وتوفير الوجبات يومية قائلاً ” انا كنت ف شقة تبعد عن بيتنا حوالي 10 أو 15 متر، لكن بابا أو أختي كانوا بيجهزوا كل يوم الأكل اللي بحبه يوصل ليا “.

أصيب محمد بدر بأعراض خفيفة من وجع العظام والبرد فقدان حاستي الشم والتذوق مما أثار شكوكه في إصابته بفيروس كورونا، حتى تأكد من إيجابية المسحة بعد ليالي عيد الفطر المبارك.

قضى محمد 20 يوماً في عزل منزلي بصحبة زوجته التي كانت قائمة على راحته وتوفير وجبات الإفطار والغداء والمشروبات الساخنة، مع التعقيم المستمر طيلة فترة العزل المنزلي.

” كورونا يعني كارثة ولازم نبعد عن كل الناس وخوف من أقرب الناس حولينا ” بهذه العبارة أستكمل بدر حديثه قائلاً أن الجو العام والحديث عن الكورونا يسبب ذعر لأي مواطن يثبت إيجابية مسحته، والجانب النفسي في الإصابة له دور مهم جداً حتى لا تسوء الحالة أو يتمكن الشيطان في ضعف عزيمة لذلك حاولت الاستمتاع بالوقت قدر الإمكان مشيراً إلى عند خروجه لعمل بعض التحاليل والأشعة المقطعية حيث قرر استئجار ميكروباص ليقعد في الكرسي الأخير بمسافة تبعد عن سائق، ثم تنبيه على السائق بتعقيم الشديد والمبالغ فيه للميكروباص.

وأضاف محمد أن برغم عزله بغرفه بمفرده بعيداً عن زوجته إلا في بعض الأوقات كان يحارب الملل والعزل بخروج إلى الصالة والبعد بمسافة تزيد عن 3 متر بينه وبين زوجته ومحاولة خلق أحاديث عن كل الأشياء المحيطة حتى يملأ وقته بجانب مشاهدة التلفزيون وقضاء بعض الوقت على السوشيال ميديا.

وتابع محمد أن الخوف على والده والدته من التأثر النفسي بإصابته جعله يخفي عنه خبر إصابته مقتصراً على معرفة أخواته رجال لمساعدته في جلب الدواء أو ما يحتاجه.

يرى محمد نفسه محظوظ خلال فترة إصابته حيث حصل على دعم من أصدقائه وجيرانه قائلاً ” جيراني كانوا على اتصال دائم بي ولما بكون محتاج حاجة بينزلوا يشتروها ليا “.

وقدمت وزارة الصحة، عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي، “تويتر”، مجموعة من النصائح الهامة، لمرضى كوفيد 19، والذين يتواجدون داخل العزل المنزلي، وهي النصائح التي قد تساعدهم فى تخطى أزمة فيروس كورونا، حيث أكد الحساب ضرورة المحافظة على الصحة النفسية لأنها تؤثر على مناعة الجسم، وأيضا الحصول على المعلومة الطبية العلمية من الفريق الطبي، والتواصل مع الأهل والأصدقاء من خلال الهاتف ومكالمات الفيديو لتعزيز الحالة العاطفية لديك والتقليل من الانعزال والتوتر

وتابعت النصائح بوضع خطة مع شخص ما لمشاهدة برنامج تليفزيوني أو موسيقى أو مسرح معا، أو قراءة كتاب مفضل ثم مناقشته مع بعضكما البعض، والابتعاد عن التدخين وشرب الكحوليات والمخدرات، وفى حالة استمرار الغضب والقلق وعدم القدرة على التحكم بها يرجى التواصل مع المتخصصين ويمكن الاستعانة بالخط الساخن للدعم النفسى.

وتقول أسماء عبد الوهاب استشاري الطب النفسي بمستشفى العباسية للصحة النفسية أن الدعم النفسي للمصاب ذو عزل منزلياً مهم جداً، حيث تظل أفكار الموت بمفرده دون معرفة أحد تسيطر عليه، بالإضافة لانعدام الأمان أو عدم السيطرة على الأمور إذا حدثت مضاعفات.

وأكدت عبدالوهاب على أهمية ملئ المصاب المعزول منزلياً يومه بنشاطات كثيرة و الاسترخاء قدر الأماكن بدلاً من التفكير في الإصابة أو فترات العزل الذي يقضيها، واستقبال الأشراف على نفسه بنفسه وأخذ الأدوية بهدوء تام دون خوف أو توتر، موضحة أن أكثر حالات العزل المنزلي تصاب بحالات هلع، أي اضطرابات في ضربات القلب وتوهم بضيق التنفس.

وتشير عبدالوهاب إلى معاناة المصابين ذو الشخصية الانبساطية والاجتماعية أكثر من شخصيات الأخرى لحبها في الخروج والتواجد الاجتماعي وسط البشر، بينما تتأثر الأسر التي توجد بها حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد نفسياً أكثر من الشخص المصاب قائلة: ” الشخص المصاب أختبر المجهول المرض حديث الساعة لكن الأسرة تكون أكثر خوفاً وقلقاً واضطرابا من المجهول”.

وتابعت عبدالوهاب أن تجربة العزل المنزلي أظهرت عوار بعض العلاقات المزيفة فبعض الحالات كانت تخشى الاعتراف بإصابتها وشفائها حتى لا تخسر العلاقات الاجتماعية المحيطة بها فيما بعد، مضيفة ” أكثر الجمل التي كانت تقال في عيادات النفسية حسينا إن الدنيا فضيت علينا فجأة”.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى