منوعات

في ذكرى تأميم قناة السويس.. كيف أدى قرار التأميم لإنذار نووي؟ | مصر أخبار

القاهرة – “تؤمَّم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، شركة مساهمة مصرية، وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات وتحل جميع الهيئات واللجان القائمة حاليًا على إداراتها”.

بهذه العبارة، وقف الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية يعلن قراره التاريخي بتأميم شركة قناة السويس، في مثل هذا اليوم 26 يوليو/تموز 1956، فهل كان يدرك الرجل أن هذه الكلمات ستجعل منه زعيما عربيا ورمزا للوقوف ضد الاستعمار، وأنها ستكون سببا في تحرك جيوش 3 دول نحو القناة؟

وهل توقع أحد آنذاك أن يصل الأمر إلى تهديد روسيا بقصف لندن وباريس بالصواريخ النووية؟ وأن تعتبر المعركة من بين المؤشرات على نهاية الامبراطورية البريطانية؟

أعظم لحظات ناصر

بعد إعلان الولايات المتحدة في 19 يوليو/تموز 1956، رفض تمويل مشروع إقامة سد على نهر النيل في أقصى جنوب مصر، كان المصريون يترقبون رد فعل زعيمهم الذي كان يخفي في قرارة نفسه قرارا عظيما، بدأ يطرحه على المقربين منه ويتلقى ردود الفعل المتحمسة أو القلقة والمتخوفة واحدا بعد الآخر.

صباح 22 يوليو/تموز، اتصل عبد الناصر بالصحفي المقرب منه محمد حسنين هيكل، وطرح عليه فكرة تأميم شركة قناة السويس، وقال له: أعرف أنها ستكون معركة خطيرة، وفكرت في احتمالاتها طوال الليل وهذا الصباح، وأجريت حساباتي وأظن أن فرص النجاح أمامنا عالية.

يحكي هيكل في كتابه الموسوعي “ملفات السويس” كيف جلس يستمع إلى ناصر، ويصفه “في الحقيقة كانت تلك واحدة من أعظم لحظات حياته، وقد استعاد دوره كضابط أركان حرب وكتب كل شيء على الورق..”.

كتب ناصر خطته على أوراق، وكان الهدف المكتوب: شركة قناة السويس، وهذا يحقق إمكانية تمويل السد العالي كما أن التأميم يلبى حقا مصريا يراود أحلام كل المصريين، وهو أيضا يؤكد الاستقلال المصري الكامل بما فيه استقلال الإرادة السياسية، كما أنه يضيف أهمية القناة إلى أرصدة مصر الإستراتيجية.

من يتدخل عسكريا؟

قدر ناصر أن التدخل العسكري سيكون رد الفعل الأولي لأطراف عديدة، لكنها سوف تعيد التفكير وتتردد، رأي أن أميركا ستتردد في الغالب لأن تدخلها العسكري ضد دولة صغيرة مثل مصر يعتبر إفلاسا سياسيا ويحرجها مع حلفائها العرب وبالذات المملكة السعودية، فرنسا مشغولة في حرب الجزائر، إسرائيل قد تفكر في التدخل لكنها لا تستطيع أن تتحجج بتأميم شركة، الخطر الأكبر هو بريطانيا: كيف ستتصرف وكيف يتصرف رئيس وزرائها أنتوني إيدن؟

فكر ناصر أن يعلن عن قرار التأميم خلال خطابه بمناسبة ثورة 23 يوليو/تموز، في حفل افتتاح لخط أنابيب البترول الجديد بين السويس ومسطرد، لكنه فضل التمهل قليلا، فقط قال بوضوح خلال خطابه: إننا سنبني السد العالي بأيدينا، ولو بالمقاطف!

وأثناء الخطاب وقع نظره على المهندس محمود يونس رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول، فقرر اختياره ليكون المسؤول الأول عن عملية تأميم القناة، وأعطاه كافة السلطات والصلاحيات لاختيار رجاله ومعاونيه لوضع خطة تأميم قناة السويس خلال 55 ساعة.

وحسب كتاب هيكل فإن عبد الناصر فكر في الأمر في يوم 23 يوليو/تموز قبل إلقاء خطابه، ثم أجل القرار لخطابه القادم بالإسكندرية يوم 26 يوليو/تموز، حتى يكون لديه الوقت لوضع الخطة وتكليف فريق التأميم بوضع خطة التحرك، كما طلب عبد الناصر معلومات عن القوات الإنجليزية الموجودة في البحر المتوسط التي يمكنها التدخل عسكريا، وحتى يطمئن أن القوات الموجودة لا يمكنها القيام بعمليات عسكرية بسرعة.

تحركت المجموعات المكلفة بتنفيذ خطة التأميم في مجموعات من 5 أو 6 أفراد على رأسهم قائد من العسكريين يحمل مجموعة من الخطابات التي تحمل كل منها اسم الجهة التي يقصدها وبكل منها التعليمات المطلوب تنفيذها، كانت كلمة السر لبدء التحرك هي “ديليسبس” التي كررها عبد الناصر في خطابه للتأكد من سماع مجموعات التأميم لها، بدأ الخطاب في الثامنة والنصف مساء، وقبل حلول العاشرة والربع كانت جميع المقار الرئيسية لهيئة قناة السويس تحت سيطرة فريق التأميم المصري.

غياب الوثائق

يعتبر كتاب هيكل “ملفات السويس” المرجع الأهم في الرجوع لتفاصيل تأميم القناة، وهو ما يثير تساؤلات الأكاديميين المهتمين بوجهة النظر المصرية، خصوصا في وجود كتب أجنبية عديدة تناولت التأميم وما تلاه من حرب السويس.

يقول أستاذ التاريخ خالد فهمي: فى غياب الوثائق الرسمية المتعلقة بذلك الحدث الهام لا يمكن لنا معرفة الكثير من ملابسات هذا القرار الذي غير من تاريخ المنطقة برمتها، فمثلا هل بادر أي من الضباط الأحرار أو أعضاء مجلس قيادة الثورة أو آخرين من أعضاء النخبة الحاكمة بعرض فكرة تأميم قناة السويس قبل يوم 21 يوليو/تموز 1956 أم أن عبد الناصر كان الوحيد الذي ابتدعها واحتكرها؟

وإضافة إلى الكلمات المأثورة التي أطلقها عبد الناصر على مسامع أعضاء مجلس الوزراء قبل ساعتين من إلقاء خطاب التأميم حين قال “لست أريد لأحد منكم أن يتحمل مسؤولية قرار خطير لم يعرف به إلا قبل إعلانه بوقت قصير” ما الذي دار من مناقشات حول هذا الموضوع باجتماع مجلس الوزراء الذى تم فى منزل صغير على شاطئ جليم بالإسكندرية؟ يتساءل فهمي.

ردود الفعل

انتظر عبد الناصر بقلق ردود الفعل التي تأخرت، ثم جاء رد الفعل السوفياتي ليثلج صدره، إذ قالت موسكو في بيانها “إن القناة ملك لمصر، وإن تأميمها إجراء قانوني عادي، لصالح اقتصاد مصر”.

في لندن ثار إيدن، وتقول تقارير إعلامية إنه دخل على وزير الخزانة ماكميلان صارخا “سأحطمه.. سأدمره.. سأمحو كل أثر له من الدنيا” وراح يعقد المقارنة بين هتلر وعبد الناصر، وكان موقفه أنه مصمم على إسقاط الأخير، وبالفعل ذهب للإذاعة وألقى خطابه للشعب البريطاني “إن ناصر هو عدونا وليس الشعب المصري”.

بعد ردود الفعل المستنكرة في فرنسا وإنجلترا، كتب أنور السادات مقالا صحفيا بعنوان “قادر وفاجر” قال فيه “إنى أسأل المُغالِّط إيدن كيف أصبحت حرية الملاحة اليوم في خطر والقناة تحت سيطرة مصر منذ قامت الثورة، فهل تصور الحصيف إيدن أن جنوده الذين كانوا على القنال هم الذين يحمونها؟ إذا تصور هذا فهو أحمق.. وأما أن هذا القرار تعسفي فإن ذلك أمر يدعو إلى السخرية والهزء.. وعلى ما يقول المثل العامي عندنا: قادر.. وفاجر”.

العدوان

بدأ العدوان على مصر بتحرك القوات الإسرائيلية في سيناء بعد ظهر 29 أكتوبر/تشرين الأول، وتولي الطيران الفرنسي والبريطاني ضرب مصر بداية من نهاية الشهر نفسه حتى 4 نوفمبر/تشرين الثاني، ثم بدأت قوات المظلات البريطانية الهبوط في بورسعيد، وتقدمت حاملات الجنود تحت حماية مدافع الأسطول ليبدأ الغزو البري، وتفجرت المقاومة الشعبية في شوارع بورسعيد، وصدحت الإذاعة المصرية بأغان حماسية تم تسجيلها على عجل “الله أكبر فوق كيد المعتدي، دع سمائي فسمائي محرقة”.

وفي وقت كانت دول عديدة تدين العدوان، وتشتعل لندن بالمظاهرات المعارضة للحرب، ويحتدم الجدل بأروقة الأمم المتحدة عن وقف إطلاق النار، جاء الإنذار الأقوى والأكثر جدية من موسكو، إذ وصل إلى لندن وباريس إنذار سوفياتي شديد اللهجة يطالب بوقف العمليات العسكرية فورا، وسحب القوات المعتدية، ويشير بوضوح إلى أن “لندن وباريس ليستا بعيدتين عن مدى الصواريخ النووية” وفقا لرواية هيكل.

وافق إيدن على اقتراح من رجاله بالسفر فورا إلى واشنطن للقاء حليفه الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور للرد على الإنذار الخطير، لكن السفير الأميركي أبلغه أن الرئيس مشغول باحتفالات انتصاره بانتخابات الرئاسة، وأنه لا يستطيع أن يقابله قبل وقف إطلاق النار حتى لا تكون واشنطن شريكة في مغامرة الهجوم على مصر، وهو الهجوم الذي تم إخفاء تفاصيله عنها عمدا.

وفي مساء 6 نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت لندن وباريس قبولهما وقف النار وسحب قواتهما من مصر، لتنتهي مغامرة عبد الناصر بانتصار سياسي كبير، ليصير بعدها زعيما قوميا عربيا رغم فداحة الخسائر في الممتلكات والأرواح في الجانب المصري، ويكتب المؤرخون قراره بتأميم القناة وما تلاه من عدوان بنهاية عصر الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، فضلا عن الكشف بوضوح عن المطامع الإسرائيلية في سيناء، وجعل موسكو حليفا قويا للقاهرة.

المزيد من سياسة


المصدر: now-article.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *